الرئيسية | خالدون | الشهيدة ميسون الأسدي‏ زوجة الشهيد الدكتور حسام حميد حسن الحلقة الاولى ..

الشهيدة ميسون الأسدي‏ زوجة الشهيد الدكتور حسام حميد حسن الحلقة الاولى ..

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
عدد المشاهدات : 2651
الشهيدة ميسون الأسدي‏ زوجة الشهيد الدكتور حسام حميد حسن الحلقة الاولى ..

أُختاه .. ماذا أُسطّر عن خصالك الكثار ، ياميسون الخير والإيثار .. ماذا أقول ؟ فأفعالكِ نواطق وقيودكِ شواهد و .. دماؤك قصائد

الشهيدة ميسون الاسدي
زوجة الشهيد الدكتور حسام حميد حسن الصريفي الرفاعي‏


الشهيدة ميسون الأسدي .. طائر الشمس‏
* الذاكرة .. والزمرد الأحمر
* أريج الفردوس‏
* السيرة والمواقف .. لكُل طاغ كربلاء
* مَن هو د . حسام حميد ؟
* وهل الدين إلّا الحب‏
* أرض عطشى‏ وطاعون !
* الاختراق .. قصة سوء لا تنسى‏ !
* حورية في طوامير البعث‏
* حمامة بيضاء في سجن الرشاد
* تنهُّدات عاشق‏
* أبكيك فخراً لا حداداً
* منهج .. وبطلة
* زواج في مدينة الموت !
* عروس على‏ كُرسي الكهرباء !
* القاتل يبكي قتيله !
* القمر يُدفن ليلاً !
* ميسون .. لاوداع‏
ميسون ، هل أنتِ خائفة من الموت ؟ إبتسمت وقالت : «الموت يعني الشهادة .. صدّقيني ياأُختاه أني لم أكن أحلم أن أفوز بالشهادة على‏ أيدي هؤلاء الأمويين بهذا الجهد الضئيل» .
السجينة فاطمة العراقي / سجن الرشاد

من وصايا الشهيدة ميسون لنا في لحظات التوديع : «أخوات ، أرجوكم كونوا يداً واحدة وروحاً واحدة ، ولاتتفرّقن لطول المحنة» .
السجينة أم إيمان البصري العبّاسي‏

نحن نفتدي الوطن بأرواحنا ولانطيع سوى‏ الله .
الشهيدة ميسون مع الجلّاد

حكمت محكمة (الثورة) العسكرية على‏ الخائنة «ميسون غازي» بالاعدام شنقاً حتى‏ الموت .
المجرم اللّواء عوّاد محمد أمين البندر
قاضي محكمة (الثورة) العسكرية



الاهداء
الى‏ مَن ترنّمت لبراءتها ونقائَها الخمائل الخضراء ..
إلى‏ الوجه الباسم الذي أشرق كوكباً في قلب الظلام ..
إلى‏ التي أصّلت رؤاها بدمائها ..
إلى‏ صفاء الاولياء وثبات الانبياء ..
إلى‏ صباح الروح .. أنيسة الشجن .. تسبيحة الرشاد .. عبق بغداد..
إلى‏ ميسون حمامة الجَواد ..
إلى‏ النخلة الميساء ..
الى‏ الكبيرة
أهدي هذا الضئيل .


الذاكرة .. والزُمُرُّد الأحمر
وعادت خيوط الذاكرة فاتصلت بعد انقطاع ، وعاد زورقنا الصغير يُبحر في نهر الزمن الجليل ، رُغم ضباب السنين وافواه التماسيح على‏ شاطى‏ء الشهادة المنسي ، فما زال الشراع بلون الدم ومازالت الغاية شواطى‏ء كربلاء ، حيث تلال الزمرد الأحمر والياقوت الأخضر ، بعيداً عن طحالب المستنقعات التي تريد تلويث طهارة شاطئنا وسرقة تاريخ رحلتنا ..
تاريخ نكتبه من جِراح الأقاح الحور .. جراح مُقدّسة تحكي قصة الظلم الذي أحاط بمخدّرات عراق الطهر والعفاف .. فتيات أشرق سنا نورهنَّ مع ضياء شمس الثورة الإسلامية في إيران ، حملن مشعل الحريّة وهنَّ بعد في سني الحداثة بَيْد أن أرواحهن سمت بهنَّ لمعانقة الموت الأحمر بكلِّ عزٍّ وشموخ ليضعن حجر الأساس لمرحلةٍ دامية من تاريخ التضحية والجهاد النسوي في عراقنا الجريح ..
فها أنا أغمس ريشتي من دواة دموعي لأُسطّر صفحات تتصاغر أمام فتاة زينبية عراقية انحنى‏ لها التاريخ ليكتب اسمها في ضمير الأُمة وعلى‏ لوحة الخلود لما قدّمت من تضحيات جسيمة ومواقف عظيمة ، بعد أن كابدت في سبيل دينها ووطنها شتّى‏ المصائب والآهات وصمدت كالرواسي الشامخات ..
نعم ، نحن بصدد الكتابة عن فتاة فريدة من فتيات (الكاظمية) ، زينبية مجاهدة عصيّة عن أن نرسمها بقلم أو نحصرها بوريقات .. حوريّة دفعتها الأقدار لتقف أمام عيون أوباش الرذيلة بعد أن أرخصت روحها وربيع شبابها من أجل أن تتأصّل التضحية وتتجذّر روح الإيثار ..
إن الحديث عن شخصية جهادية استثنائية كالبطلة (ميسون) هو الحديث عن القيم العالية والأخلاق السامية والمناهج الإلهية ، ومحاولة زرعها من جديد بعد أن كادت الأرض أن تجدب والزرع يغدو هشيماً .
فَهلُمَّ معي - أخي القارى‏ء الكريم - لننطلق بأرواحنا التعبات مع شذى‏ عبير فصلٍ منسيٍّ من فصول المقاومة والجهاد .
الهوية الشخصية والسياسية
الاسم : ميسون غازي الأسدي .
الولادة : بغداد ، مدينة الكاظمية (علي الصالح) .. مواليد 1966 م .
المستوى‏ الدراسي : جامعة بغداد / كلية الآداب - قسم اللغة العربية - المرحلة الثانية .
تاريخ الاعتقال : السبت 1984/5/26 م .
الاتهام : الانتماء الى‏ حزب الدعوة الاسلامية  .
جهة الاعتقال : مديرية (أمن) الكاظمية .
المحكمة : محكمة أمن (الثورة) العسكرية .
الحاكم : عوّاد محمد أمين البندر .
مادة الحكم : (156 - أ) الاعدام شنقاً حتى‏ الموت .
تاريخ الحكم : الاثين 1984/10/30 م .
تاريخ الأعدام : الأربعاء 1985/1/23 م .
محل الاعدام : سجن (أبو غريب) المركزي - الكرسي الكهربائي .
محل الدفن : النجف الأشرف - وادي السلام .
الصفات والمواصفات .. أريج الفردوس‏
ميسون غادة حسناء في العقد الثاني من ربيعها ، هيفاء ممشوقة القوام ، غرّاء فرعاء كنخلةٍ ميساء ، ذات وجه مُقمر وهّاج ، وعُنق كعمود عاج ، عيناها ناعستان تظللهما رموش كأماسي الشتاء ، نظراتها الوديعة وابتسامتها الساحرة توحي للناظرين أنها من أميرات البلاط الفارسي .. إشراقة وجهها أكثر جمالاً من بزوغ الشمس ، كأنها حورية هبطت من الجنة تشعُّ جمالاً وجلالاً .. فهي الربيع وهي السلوى‏ .. هي ميسون ..
وفوق كل هذا ، هي فتاة محتشمة مُكلّلة بالغار مُجلّلة بأبراد الفضيلة ، تُضي‏ء عيناها عفّةً وحياءً ، وتشعُّ روحها براءةً ونقاءً .. كثيرة الصمت ، خفيضة الصوت ، واسعة الفكر دمثة الاخلاق .. السكينة والثقة بالنفس تغمران محيّاها الملائكي الوضّاء ..
ومن الصفات الأخرى‏ التي تفرّدت بها شهيدتنا البطلة (ميسون) ؛ الفطنة والشجاعة ، فهي أسديّة العزم حسينية الأهداف ، ذات وجهٍ شامخٍ أبيٍّ عبوس في وجوه الأعداء ، ودود متواضع في وجوه الأصدقاء ..
إنها ميسون بنت الكاظمية ، كندى‏ الصباح نقيّة ، كبطلة كربلاء زينبيّة ، كسمير غلام منظمة العمل الإسلامية .

السيرة والمواقف .. لكُلِّ طاغٍ كربلاء
أُختاه .. ماذا أُسطّر عن خصالك الكثار ، ياميسون الخير والإيثار .. ماذا أقول ؟ فأفعالكِ نواطق وقيودكِ شواهد و .. دماؤك قصائد .
فنحنُ أُخيتاه كلما يتراءى‏ لنا رسمك تهيج في صدورنا روحكِ النهضوية الراسخة ، ونحِنُّ الى‏ نقائكِ ووداعتكِ حنين الحبيبة الوالهة ، ونستذكر إباءَكِ وشموخكِ ذكر العارفة المتيَّمة ، رُغم أن طيفكِ كان قد مرَّ علينا سريعاً وغادرنا مودّعاً ..
وها نحن لم نأتِ إلّا على‏ شذراتٍ متناثرةٍ قد جُمِعَت من زوايا الذاكرة ومن ربذات الدنيا ، حيث بذلنا جهداً جهيداً للملمة هذه الأشتات علّنا نُعيد بعض ملامح‏ هذه الصورة ، ونوفَّق لأضاءة شمعة يتيمة في طريق هذه الملحمة المنسيّة ..
ميسون من عائلة طيّبة معروفة بولائها للإسلام ولمذهب أهل البيت: ، لها أخوة وأخوات جامعيون وأُم معلمة وأب ثري يمتلك معرضاً لبيع الحلي الذهبية والمجوهرات في (شارع النهر) أشهر مناطق بغداد العاصمة ..
بدأت شبابها زينبية على‏ خط الإمام الحسين‏7 رُغم الجو العائلي البعيد كُل البُعد عن معاني الجهاد والاستشهاد .. بحكم العيش الرغيد والوضع المُرفّه رغم الولاء لأهل البيت: .
ولدت في (الكاظمية) ، تلك المدينة المتألقة ذات القباب الذهبية التي ضَمّت ضريحي الإمامين (موسى‏ بن جعفر الكاظم ومحمد بن علي الجواد): لذا نجدها وكأنها قد ورثت نقاء السريرة من صاحب السجدة الطويلة ، وروحيّة العشق من تلك الدموع الساكبة ، وشموخ الجراح من ذاك السجين المثقل بالسلاسل والقيود .
تفتّحت لها الأيام تفتُّح أزهار القدّاح للربيع ، لذا فهي لم تسلك درب التضحية والجهاد تحت وطأة القهر أو الحرمان ، فأيامها كانت هادئة وعيشتها مُنعّمة ، بَيْد أنها لم تلتفت الى‏ ما هي عليه من رفاه وثراء ، ولم تغرِها الدنيا وزخرفها الذي عزل الكثير من المترفين عن هموم المستضعفين وجراح المجاهدين .
مرّت السنون وميسون تكبر في ظل تلك الأجواء العائلية الهادئة ، وتحت نير محنة تلك الحقبة العاصفة التي لفّت العراق وطوته طي السجلِّ للكُتب .. لذا فهي قد نمت وتجذّرت على‏ مياه المطر ، ترعاها يد الغيب بعيداً عن جهود البشر .
في ذلك الزمن العصيب كان شبابها ، وفي تلك السنين العجاف بدأت مشوارها .. فكانت (ميسون الأسدي) .
ورغم جراح قلبها المُتعب بآهات المظلومين من أبناء شعبها ، تجاوزت ميسون امتحانات (البكالوريا) ودخلت كلية الآداب عام 1983 م .. فهي منذ صباها تميل الى‏ الأدب العربي ..
وما أن باشرت الدراسة حتى‏ أعلنت عن أول معركة تحدٍّ ضد عُصابة (البعث) ..لقد رفضت الانتماء الى‏ ما يسمّى‏ بالاتحاد (الوطني) لطلبة العراق - ذلك القطيع المُساق أكثرهُ بالإكراه - أحد مؤسسات النظام المرتبطة بمديرية (الامن) العامة والتي من أولويات مهامّها رصد أنشطة وانتماءات طلبة الجامعات .
بل ان ميسون وبالرغم من الارهاب الذي انتشر في جميع جامعات ومعاهد العراق كالوباء الفتّاك ، لم تتهاون في حجابها ، ذلك المألوف في المدن المقدّسة (المانتو والعباءة) ، الذي استحال في تلك السنين المرعبة الى‏ شَبح واتهام يخشاه الناس ويترددون في التقرّب مِمّن يرتديه رُغم اجلالهم له !
* * *
وكانت البداية .. فرُغم تشنّج الأجواء في الكلية وانتشار العيون البعثية ، صارت الطالبات يتجمّعن حولها تجمّع الفراشات حول أزهار الربيع ، يتعطّرن من نقاء كلماتها ويغترفن من عبير روحها ..
ولأن الطيور على‏ أشكالها تقع ، امتزجت القلوب الطاهرة ببعضها ، فكانت (أنعام حميد) و (إيمان) من الأخوات الأقرب الى‏ قلب (ميسون غازي) .
انها فتاة عراقية عاشت جراح وطنها وآلام شعبها لذا حاولت (هي ومَن معها) بعطرها الفوّاح بثَّ الهمم في النفوس الهامدة وبعث الهموم في الأجساد الخامدة ل (أولئك النفر الجامدين القاعدين بالرغم من كل المصائب المريرة التي حلّت بالأُمة .(
كانت لقاءاتها بالطالبات مُبرمجة ، وكلماتها نابضة موحية بالمعاني العميقة ، سيّما وقد امتاز سلوكها بالمؤانسة والوداعة ، فيما صاحب ذلك توزيع الكتاب الإسلامي الهادي والشريط التسجيلي الهادف ..
فحركتها ولسانها الذي ينثر آيات الحق والحريّة في أزقّة الكاظمية وفي أروقة الكلية كانا يُدلّان على‏ منهجية هذه الفتاة الواعية في عدائِها لهذهِ العُصابة التي ابتلى‏ بها عراق المستضعفين ، سيّما وان المسافة الفاصلة بين كُلّية الطب وكلية الآداب أصبحت تذوب شيئاً فشيئاً ..
لذا امتلكت (ميسون) وفي فترة زمنيّة متواضعة ، وعياً سياسيّاً هادياً مُرتكزاً على‏ فهمٍ عقائديٍّ عُصامي .. بل وتأصَّلَ في عقلها منهجاً جهاديّاً راسياً كرسوخ جبل النور وتجذّر في روحها نقاءاً كصفاء الأولياء ، حتى‏ صارت بعيدةً عن الدنيا قد طلّقتها ثلاثاً ، موغلةً في الهجرة صوب كربلاء .. تُرى‏ ماذا حصل ؟! وما الذي فعله حُسام ؟! هل ذابت في مسالك العاشقين رُغم حداثة سنّها ، فنحن الى‏ اللحظة لمّا نَزَل نجهل جذور حبّها الكبير ! تُرى‏ من أين جاءت هذه الفتاة الصغيرة بهذهِ الروح الكبيرة ؟!
فهي والهة في ذاك الحبيب القائم والعشيق الدائم .. نزهتها المسائية شُبه اليومية (المألوفة) زيارة أبواب الحوائج: ، لذا فحينما يفتقد البعض من المقرّبات (ميسون) لايتردَّدن في الذهاب الى‏ حضرة الكاظمين ليجدنها هناك تنساب كضوء الفجر ، هادئةً مُطرقةً تمشي على‏ استحياء ، أو جالسةً مُنكبَّةً تقرأ في صمت الأنبياء ..
أما إذا أقبل شهر رمضان ، فإنك تجد هذه الفتاة الحورية كالعارف المستغرق في مسلكه وانقطاعه .. فهي بعد الافطار قد استقرّت في زاويةِ أحد الأروقة المجاورة للضريح المبارك ، حيث يهرع المظلوم والمفجوع والعاشق الى‏ تلك القباب ليعبد الله ويتوب إليه .. يهرعون ليُهزموا ما في نفوسهم من دموعٍ وأحزان ، يُخضِّبون أرواحهم بحنّاء المناجاة ..
وبعد السَحَر تنساب معاودة حتى‏ مطلع الفجر ، تغرق في سفينة النجوى‏ والدعوات .. إنها ميسون ؛ صفاء الأولياء ومنهج كربلاء .
من هنا كانت البداية .. التفكير في القربى‏ الى‏ الله عزَّ وجل ، ليلة بعد ليلة ، صلاة بعد صلاة ، دمعة بعد دمعة .. أبصرت ميسون ، مشت ثم مشت حتى‏ آخر الطريق .. وفي آخر الطريق وصلت الى‏ مَن تريد .. الى‏ الله الحبيب الفريد ..
تمر الشهور وميسون ترتقي سُلَّم المجد بخطى‏ ثابتة ويقين راسخ ، حتى‏ أضحت شمساً في سماء الكاظمية .. فاهتدت فتيات محلتها بها وهي أهل للأقتداء ، لان حبها لله وعشقها له ليس حباً صوفياً ذاتياً بل كان حباً ايجابياً معطاءً (قُل إن كُنتم تُحبّون الله فاتّبعوني يحببكم الله) .
- سورة آل عمران : آية 31 .
وإن كان هناك ما هو جدير بالأسف والعتب ، فهو ضياع تلك السنين القانية ما بين (1982 م - 1984 م) من سجلِّها الجهادي الدامي ! وإن كان سجلُّ الملكوت لايغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلّا أحصاها ..
لان هذا الصمت الطويل الذي غيّب جهاد وتضحيات زينبيات العراق لايقل بشاعة عن ذاك الحبل القاسي الذي غيّب آمال وطموحات نساء العراق ..
فنحن لم نعثر لها على‏ صفحاتٍ لتلك المرحلة العصيبة من تاريخها الجهادي المتواصل .. نعم ، هذه ضريبة الحذر والكتمان ، سيّما وان أبطال خلَّيتها جميعهم قد استشهدوا أو تقاعدوا !!

الرفاعي .. قُم الصغرى‏
يقع قضاء الرفاعي شمال محافظة الناصرية ، امتاز بارتباطه المبكِّر بمرجعية الإمام السيد محسن الحكيم‏1 .. إرتبط - فيما بعد - بمرجعية السيد الصدر1 حيث شهد تأسيس الحسينيات ، وكان السبّاق في وفود البيعة للمرجع الشهيد.
- أرسل المرجع الشهيد الصدر عدداً من الوكلاء الشباب لاقضية ونواحي الناصرية بعد أن لمس فيها الارتباط المرجعي والحس الجهادي ، فأرسل مثلاً الشيخ عبدالحليم الزهيري وكيلاً عنه في قضاء الرفاعي ، كما أرسل الشيخ محمد علي الجابري وكيلاً لناحية الفهود .. وهكذا .
الجدير ذكره أن ناحية الفهود قد خرجت بمظاهرة عارمة يقودها الشيخ الشهيد الجابري احتجاجاً على‏ اعتقال المرجع السيد الصدر ، وقد أُطلق على‏ ناحية الفهود اسم (قُم الصُغرى‏) تيمُّناً بنجاح الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني وردّاً على‏ الشيوعيين الذين أطلقوا اسم (موسكو الصغرى‏) على‏ ناحية الشطرة .
عُرف أهالي (الرفاعي) بعدائهم الدائم للنظام الجائر ، وكان من أوائل المجاهدين الذين خرجوا على‏ الحكم البعثي في بداية مجيئه هو (حَربي آل مزعل شيخ عشائر بني ركاب) الذي باكر في عدائه للعصابة الحاكمة وقال قوله المشهور «الآن حلَّ الظلام في العراق» لذا مات ودُفن في سوريا بعد أن رفض النظام الجائر السماح بنقل جثمانه ودفنه في العراق !
أنجبت (الرفاعي) الكثير من الشهداء والمفكرين والمجاهدين والشعراء المهاجرين اللذين مازالوا محل فخر واعتزاز أهالي الناصرية الكرام .. وكان فتى‏ الإسلام الشهيد حسام أحدهم .. ولكن مَن هو حُسام ؟

مَن هو حُسام ؟
إنه حُسام حميد حسن الصريفي ، مواليد 1961 م / الناصرية - الرفاعي . من عائلة متدينة واعية تتكون من ثلاثة أولاد وخمس بنات .. أكمل دراسته المتوسطة والاعدادية في ثانوية الرفاعي للبنين . كان حُسام متديناً منذُ طفولته ، فهو يتردّد مع جدّه لامه- المؤذِّن الحاج حامد - على‏ مسجد (الحاج مجيد) القريب من بيتهم..
- سُمي مسجد الحاج مجيد بهذا الاسم نسبةً لأحد أخيار المنطقة الصالحين ، الذي أوقف المسجد وكان متوفياً .
بقي الصبي يرتاد المسجد حتى‏ شبابه ، حيث كان يواظب على‏ الصلاة جماعة ضمن مجموعة من أصدقائه الشباب المتدينين أمثال الشهيد السعيد (نجيب عبدالحسن / مواليد 1963م الرفاعي) والمجاهد (أ . خ / مواليد 1962م الرفاعي) الذي حُكم بالسجن سبع سنوات ، وقد تم اعتقالهم عام 1981م ضمن مجموعة مؤمنة لاذنب لها سوى‏ ارتياد المسجد للصلاة !
بدأ حُسام يرتاد مسجد الشط سيما بعد أن أرسل المرجع السيد الصدر وكيلاً - سُمي المسجد باسم (مسجد الشط) لوقوعه على‏ ضفاف نهر الرفاعي ، وكان إمام الجماعة وكيل المرجع السيد الصدر هو الشيخ عبدالحليم الزهيري .
عنهُ ليؤُم الناس عند الصلاة .. ثم صار يحرص في التردّد على‏ المسجد في الاجازات والعطل الصيفية فقط بسبب دراسته الجامعية في بغداد .
- باشر الشهيد حُسام دراسته في كلية الطب - جامعة بغداد - عام 1979م .
كان وسيم الطول جميل الملامح .. يسكن وجهَهُ العزمُ والشموخ ، امتاز بالدقّة والحَذَر والشجاعة .. ذا سلوك اسلامي أصيل وحركة هادفة مؤطّرة بالخُلق الرفيع.
يقول الخطيب الشيخ (أبو حيدر البغدادي) :
حُسام ومنذُ صباه يتمنّى‏ أن يكون طبيباً ، فهو طالما مازح أُمه وقال لها أنّهُ سيجد ويسهر ليتمكّن من دخول كلية الطب ليعالج آلامها ويعتني بصحتها .. وتمر السنين ويحصل حُسام على‏ المرتبة الأولى‏ في سُلَّم درجات مدارس الناصرية في امتحان (البكلوريا) ، فيتم قبوله في كلية الطب - جامعة بغداد - ولأن حُسام كتوم جداً وحذر لم نعثر لهُ على‏ مَن يوثِّق حركته وانتماءه ونشاطه خلال سني الدراسة الست في بغداد !!
تمرّ السنين وينهي الدكتور حُسام دراسته بتفوق عالٍ ، فهو الآن في سنة

تمرّ السنين وينهي الدكتور حُسام دراسته بتفوق عالٍ ، فهو الآن في سنة التطبيق الأخيرة بمستشفى‏ مدينة الطب المجاورة للكلية .. كان في شوقٍ للتخرّج والحصول على‏ شهادة البكلوريوس - طب عام - ليتسنّى‏ لهُ خدمة أبناء بلدته المحرومين المستضعفين ، بَيْدَ أن شوقه لخدمة أبناء شعبه وتُراب وطنه الذي كان هو الأقرب الى‏ قلبه يمكن اختصار طريق تحقيقه بازالة طاغوت العراق فوراً ، لذا فقد اشترك مع مجموعة من أبناء الإسلام البررة وبالتنسيق مع جهة إسلامية أُخرى‏ ، في التخطيط لاغتيال رأس النظام ، وقد تبرعت الطالبة الجامعية ميسون غازي بدورٍ أساسيٍّ في التنفيذ .  
يقول أحد المصادر الثقاة :  
وبينما كان حُسام في الأسبوع ما قبل الاعتقال مشغولاً بالاطّلاع والدراسة لبعض الخرائط الغريبة - باعتباره رأس الهرم في مجموعة التخطيط - كُنت متألِّماً لوجبات الأعدام المتلاحقة في بغداد ، بالاضافة لآلاف القتلى‏ في جبهات الحرب .. ردّ عليَّ بهدوءٍ واتزان وباللغة الدارجة: - إن شاء الله لم يبق لإنهاء هذه المأساة إلّا شَعرة واحدة .  
قلت وببعض اللامبالاة :  
- لن تنتهي المأساة إلّا براس الطاغية صدام .  
فأجابني بابتسامة شفّافة :  
- نعم ياصديقي .. إلّا برأس الطاغية صدّام .  
- لعلَّ هذه العملية كانت الأخيرة - وهي الأخطر - للخلية قبل اعتقالها ، بَيْدَ أنها قطعاً لم تكن الأولى‏ ، إذ نجحت في تنفيذ عملية تفجير ال (...) والتي كان دور البطلة فيها حمل المتفجرات الى‏ موقع الهدف ، والتي عبّرت عنها الشهيدة ميسون في سجن (الرشاد) بأنها عملية الغرض منها زعزعة النظام وإضعافه .. بل ونجحت الخلية في إرسال المخططات العسكرية لمواقع القطعات المعتدية الى‏ القوات الإسلامية .  
لم يبق على‏ موعد التنفيذ سوى‏ أيام ، بَيْدَ أن الاختراق - ذلك الوجع المألوف - قد هدّم كُل ما بنته المجموعة ! حيث تسرّب سر ساعة التنفيذ للذليل المرتزق (رفيق كتاب علوان) وبإفشاءٍ من الشهيد المهندس (السيد أحمد عباس وتوت) فتم اعتقال جميع أفراد الخلية ، حيث اعتقلوا الدكتور حسام وهو في احدى‏ ردهات مستشفى‏ مدينة الطب .. تعرّض البطل لجولات من التعذيب طاحنة مريعة .. كان في شموخه وخطورة مسؤوليته في الخليّة ما يكفي للانتقام منهُ بوحشية رهيبة ، لذا حكموا عليه بالاعدام شنقاً حسب المادة (156 - أ) .. - تواترت المصادر على‏ ان اعدام حُسام شنقاً كان مصحوباً بزرقه بأُبرٍ زئبقية .. وليس لدينا أيّة معلومات عن هذه الأُبر الزئبقية .  
- مادة الاعدام (156 - أ) الخاصة بالدُعاة تشمل جميع أطياف الحركة الإسلامية في العراق .  
وقبل تنفيذ حكمهم الجائر صلّى‏ الشهيد ركعتين ثم تقدّم لحبل المشنقة بثبات‏ - «إنَّ ركعتين يُصلّيهما العبدُ لربّه ، لابُدَّ أن يكون وضوؤهُما من دم» الحلّاج .  
وتحدٍّ كبيرين ، ارتحل حُسام واستلمت والدته الصابرة المُحتسبة الجثمان الطاهر - كان والد حُسام أسيراً في إيران ضمن آلاف الأسرى‏ في عمليات تحرير خُرَّمشهر الظافرة في 1982/4/30م .. فالأب مُستضعف مغلوب على‏ أمره ، لان مَن يُخالف أوامر الالتحاق بالجبهات يكون مصيره الأعدام بعد أن يوصَم بكلمة (جبان) على‏ نعشه وفي منطقة سُكناه ! لذا فعندما رجع الأب من الأسر بسبب معارك القادسية وجد ابنه قد أُعدِم بأمرٍ من بطل البوابة الشرقية .  
لدفنه في ثرى‏ وادي السلام بعد تعهُّدٍ وشروطٍ قاسية تضمن عدم إقامة التعازي أو استقبال المُعزّين .  
يقول أحد المصادر المقرّبة :  
- المصدر كان حينذاك يسكن قضاء الرفاعي بجوار بيت الشهيد حُسام ، وقد تم الاتصال به هاتفياً في مهجره بلندن يوم 2002/9/7م .  
«أُقيمت الفاتحة على‏ روح الشهيد الدكتور حُسام رُغم أمر المنع المُشدّد ، استقبل أهله التعازي من جميع العشائر التي جاءت مفجوعة بنبأ اعدام ابن (الرفاعي) البار الذي كان أملاً للجميع .. لذا جلب النظام قوات من الشرطة والأمن ظنّاً منه أنهُ قد حدثت مظاهرة ! ورُغم ذلك عجزوا عن منع الرجال من المشاركة في المَصاب وتقديم التعازي .. 
مازلتُ أذكر كيف كان أحد أُخوة الشهيد وهو يحاول - متوسلاً - منع مجاميع كبيرة من الفتيات والنساء من المجي‏ء يومياً لتقديم التعازي لوالدة الشهيد وأخواته ، خوفاً من عيون المرتزقة ورجال الأمن ، ولكن دون جدوى‏ .. كان الجميع مفجوعاً ومثكولاً ، لذا استمرت الفاتحة سبعة أيام تحدّياً لأوامر النظام المجرم ووفاءً لابنهم الشاب المجاهد الدكتور حُسام» .  
وهل الدين إالّا الحُب ؟  
- في حديثٍ للإمام الصادق‏ع (وهل الدين إلّا الحب) .. البحار : ج 27 ، ص 94 .  
تمر الأيام والشهور ، والخلية في أوج نشاطها وأعلى‏ حَذرها .. وكان د . حسام شديد الحرص على‏ ميسون وانعام وإيمان ، سيّما بعد أن وجد في ميسون الفتاة المناسبة لتقاسمه همومه واحلامه وأمانيه .  
وفي ذات صباح جلستا (انعام وميسون) في أحد أركان حديقة القسم بالكلية .. كانت (أنعام) منشغلة في حديثٍ خاص ، فهي تهمس لميسون بما يرغب به أخوها ، حيث طلب معرفة رأيها قبل أن يتقدم لخطبتها من أهلها .. بينما كانت ميسون مطرقة هادئة والبسمة تعلو مُحيّاها .. نعم إنها موافقة ، شريطة أن يؤجل الزواج الى‏ ما بعد التخرّج .. 
لقد جمعت د . حسام وميسون وحدة الهدف والمنهج ، إنصهرا ببعضهما بكلِّ وعيٍ وخُلقٍ رفيع .. كتما حبهما الطاهر حتى‏ عن بعضهما حياءً وعفّةً رُغم ما كانت تبوح به العيون من حكايا وحكايا .. 
- (مَن عشق فكتم وعَفّ وصبر فمات مات شهيد ودخل الجنة) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 20 / 233 .  
جمعهم الحب الحقيقي الذي أطّرتهُ القيم والاخلاق الإسلامية الجميلة والذي سمى‏ بهما الى‏ السماء ، لا ذاك الذي تحيطه الشهوات القاصرة والرغبات المشوّهة التي تهبط بالإنسان الى‏ حضيض الحيوانية ..  
فالمؤمن يُحب أهل طاعة الله ويعادي أهل معصيته (لاتجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادَّ الله ورسوله) .  
- سورة المجادلة : آية 22 .  
إنهُ الحب الكبير ، تلك النعمة الإلهية المتواشجة مع الفطرة وقيم الدين وأخلاق المؤمنين والتي تسمو بصاحبها الى‏ معنى‏ العبادة الحقّة لله لتنسجم مع الحب الأكبر والعشق الأعظم للمعشوق الأوحد .  
لاتخفِ ما فَعَلت بكَ الأشواق  
واشرح هواك فكُلُّنا عُشاق‏ 
حاول د . حسام ان يطلب يد ميسون من أبيها ، بَيْد أنه وقبل تحديد موعد الزيارة والتعارف لم يلمس قبولاً رغم ما وجدوه فيه من سمات التدين والسجايا الكريمة والنوايا الطيبة ، بل ورُغم اعجابهم بأخلاقه ورفيع تربيته .. 
إعتذروا وتشبّثوا بأسباب شتّى‏ ، بأعتبار أن د . حسام لم يزل في بداية مشواره العملي وان ميسون مازالت طالبة لم تتخرّج بعد ..  
غير ان السبب الحقيقي في رفضهم إيّاه يتمثّل في خوفهم على‏ مصير ابنتهم ، سيّما وانهم قد أدركوا جيداً أن هذا التحوّل الصارخ الذي طرأ على‏ حركة ونشاط ميسون هو جرّاء تأثير د . حسام ..  
قررا (حسام وميسون) الصبر على‏ موقف الأهل وتكرار المحاولة لاقناعهم ، خصوصاً بعد أن تيقنوا بضرورة ارتباطهما وبعجزهم عن امكانية ابعادهما عن بعضهما ، حيث جعل منهم همَّ الدين والوطن روحاً واحدة وعقلاً واحداً، فهاموا ببعضهما صبابةً وولهاً .. ولِمَ لا ، وشبيهُ الشي‏ء منجذبٌ إليه .  
ذات يوم وبينما كانت ميسون في غرفتها تذاكر دروسها ، دخل عليها والدها .. حاول تطييب خاطر ابنته وحبيبته ، فلعلّهُ في حبهِ لها وحرصهِ عليها قد سبّب لها الكَدر والحزن في رفضه لحسام ..  
- إبنتي ميسون ..  
- نعم بابا  
- أنا وأمكِ رفضنا هذه الخطوبة ، لأننا نرى‏ أن هذا الشاب لايضمن لكِ السعادة التي نرجوها ، رُغم كل مافيه من أدبٍ وعلمٍ ودين .  
- صمت مطبق وحياءٌ مطلق أحاطها وطواها طيّاً .  
ويتابع الأب حديثهُ الهادى‏ء بصعوبة بالغة .. 
- نحن لانشك أبداً في صواب اختياركِ ياابنتي ، لكن هذا الشاب متدين كثيراً ويبدو عليه انهُ سياسي ، وصدّام لا يرحم مَن يعارضه فكيف بمَن يحاربه !  
بل أنا وأُمكِ وكل أخوتكِ قلقون عليكِ ، وكأننا نراكِ تمشين الى‏ الموت بقدميكِ .. نحن لاحظنا كل الذي طرأ على‏ حركتكِ ونشاطكِ ، لذا نحن بصراحة خائفون عليك كثيراً ، وها أنا أرجوك ياحبيبتي وأطلب منك أن تتفرّغي لدروسكِ وتنسي هذا الشاب (حسام) .. ولكِ أن تطلبي ما تشائين ، سأشتري لكِ سيارة فارهه ، بل أنا مستعد أن أرسلكِ لأي دولةٍ ترغبين الدراسة فيها .. سأحقّق كل ما تريدين ، تمتّعي بشبابكِ وربيع حياتك كأخواتكِ .. اتركي فقط هذا الطريق الذي أنتِ سائرة فيه ، لانهُ لايعود عليكِ إلّا بالموت والدمار وعلينا بالحزن الأبدي . 
أطرقت ميسون الى‏ الأرض بعد أن انبجست عيناها بقطراتٍ من الدمعِ ساخنه .. فاضطرَّ أبوها الى‏ قطع الحديث ثم الانسحاب من غرفتها بصدرٍ مُترَع بالهم والأسى‏ .  
 
الحُب .. جمال الحياة 
بعد أسابيع ، وبينما كانت ميسون في بيت خالتها التي جلست معها قرب موقدٍ يصارع برد أُمسيةٍ شتائية ممطرة .. دار بينهما الحوار التالي :  
- ميسون ياابنتي .. لعلَّ رأي والدكِ هو الأصوب ، فهو يخاف عليكِ مثلما يخاف على‏ حسام .. 
- ولِمَ هذا الخوف ياخالة !  
- تتدخلان في السياسة .. نحن نرى‏ ما أنت فيه من لقاءات وعلاقات مع بنات محلّتك ونسمع عن نشاطكِ في الكلية ..  
- خالتي العزيزة ، لايعلم الغيب إلّا الله ، وأنا وحسام لم نفعل سوى‏ ما يرتضيه ديننا .. 
- بنيتي ، اهتمي بدراستك وتناسي هذا الولد ، فأنتِ في مرحلة الشباب التي سرعان ما تتغير فيها الكثير من أحلامك وعلاقاتكِ ، بل وستنسين هذا الشاب الذي ترينه الآن مناسباً لك !! 
إبتسمت ميسون بحياءٍ وقالت :  
- الحب الحقيقي ياخالتي كالشجرة المثمرة ، جذورها متأصّلة في قلوب المحبين وأغصانها تسبح في كون رب العالمين .. الحب هو الوسيلة التي تُقرِّبنا الى‏ الغاية العظمى‏ ، تُقربنا الى‏ معرفة الخالق جلَّ وعلا والذوبان في عشقه .. 
الحب الذي يجمعني بحسام ياخالتي الطيبة هو هذا المُنسجم مع مرضاة الله لاذاك السراب الذي يحسبُه الضمآن ماءً .. لان الحب الذي يخرج عن قانون السماء ليس بحبٍّ أبداً .. صدّقيني ياخالتي ، الحب نعمة إلهيّة لأنه يسبح في ملكوت السماء لاتلك العلاقة الأنانية التي تتمرّغ في أوحال الشهوات .  
كانت الكلمات تنساب من شفاه ميسون لحناً روحياً يتناغم مع نشيد الكون .. وبينما هي مستغرقة في الحديث كانت خالتها تنصت بشغفٍ وإعجاب :  
- أُنظري ياخالة .. كم هي الأُسر التي تنهار يومياً ؟! والسبب هو فقدان الضمانة التي تُبقي السعادة مورقة مُخضرّة بالثمار ، لان تلك البيوت والقلوب قد شُيّدَت على‏ أساسٍ من الشهوة والرغبة .. لا على‏ أساسٍ من الحُب الذي يُجمِّل الحياة ويبنيها .  
تنهّدَت خالتها وتمتمت بكلماتٍ تُشيد برجاحة عقل ميسون وحقها في الحياة التي تريد .  
 
أرض عطشى‏ .. وطاعون ! 
بعد أيام جاءت الخالة الطيبة لزيارة أهل ميسون لاقناع والديها بالموافقة على‏ خطبتها :  
عيني أبو ميسون .. أُختي أُم ميسون ، ميسون ابنتي مثلما هي ابنتكم .. إلبنيّة - عاشت ميسون سنيناً طويلة في بيت خالتها .. فهي أمها الثانية التي شاركت في تربيتها بعد أن حُرمت من نعمة الأبناء .  
عاقلة ومتدينة وتعرف مصلحتها، والولد يشبهها كثيراً .. ثم لاداعي لهذا التشاؤم ، فالأعمار بيد الله ، صدّقوني بعد الزواج «حيتغيرون وحينشغلون» بالأطفال‏ - اللهجة الدارجة عند أهالي مدينة الكاظمية الكرام .  
وبالمسؤوليات الكثار .. 
وهكذا دخلت خالة ميسون مع والديها في حوارٍ طويل ثم في حديثٍ هادى‏ءٍ ، ليتفق الجميع على‏ الخطوبة والعقد فقط فيما يؤجَّل الزواج الى‏ حين التخرّج .  
نعم ، وافق الوالدان بعدما حاولا أن يُثنياها ، لاعن حسام بل عن عزمها الراسخ في السير في هذا الطريق الذي اختاره حسام !  
لقد استخدما شتّى‏ أساليب الاغراء معها ، فوالدها يُدرك أن ابنته تمشي في طريق الموت .. جميع أخواتها يعيشون حياتهم في دعة ، فهم متدينون ومسالمون ولايتقربون الى‏ مايؤرِّق الاب ، إلّا ميسون .. فهي رُغم تربيتها العالية واحترامها الكبير لوالديها لم تتنازل عن نهجها المقدّس وعدالة قضيتها ، سيّما وقد لمست مظلومية شعبها وأدركت مسؤوليتها الشرعية تجاه عراقها .  
لذا اضطرّ الاب للرضوخ للأمر الواقع والموافقة على‏ استقبال الدكتور حسام لتحديد موعدٍ لاعلان الخطبة ، خصوصاً وانهُ يمتلك من الصفات والسمات مايرتضيها الناس الخيِّرون ، ثم هو مطمئن لأختيار ابنته لزوجها وشريك مستقبلها نظراً لما تتمتّع به كريمته من رجاحة عقل ودقّة اختيار ، فهي ابنته ويعرفها جيداً .  
 
مهر الحرية  
وقعت البشارة على‏ قلب وروح د . حسام - عن طريق أُخته - وقع المطر على‏ الأرض العطشى..  
وبعد أيام تمّ ترتيب لقاء بين (حسام وميسون) والذي طلب فيه منها إخبار الاب بزيارته التمهيدية نهاية الاسبوع الحالي ، لكن ميسون رفضت هذه العُجالة بحياءٍ ودلال :  
- اعذرني ياحُسام .. المألوف أن لكل فتاة مهر تطلبهُ !  
- أُطلبي ماشئتِ ياقُرَّة العين ، فأنالكِ أذن صاغية ..  
- أشُكرك ، وأنا متأكدة من شعورك هذا .. لذا أطلب مهراً غير الذي تبتغيه أغلب الفتيات ..  
- اعذريني ياميسون ، هلّا وضّحتِ لي أكثر .. 
- مهري ياعزيزي هو إتمام العملية ال (...) بنجاحٍ تام .. فأنا وأنتَ وبقية - كان مهر ميسون كبيراً ، لأنهُ مهر جميع زينبيات العراق .. فالغاية العملية تنفيذ ما تم التخطيط لهُ - بالتنسيق مع جهة إسلامية أخرى‏ - متمثلاً باغتيال رأس النظام .  
الأخوة نعرف جيداً خطورة هذه العملية بالذات ، لذا فأنا أُفضّل تأجيل الخطبة الى‏ مابعد إتمام التنفيذ .. حينذاك فقط ستكون قد وفيت بعهدك وأعطيتني المهر الذي استحقه .  
هكذا كانا (حسام وميسون) يعيشان تلك الآمال الشرعية والطموحات الرسالية لتكون عشّاً إسلامياً لقلبيهما .. غير أن أُمنياتها لم تدم طويلاً ، حيث أصاب الطاعون قُربة أحلامهم واندكَّ كُلّ شي‏ء .. لقد اخترق سهم القدر القلبين الطاهرين لتستحيل ميسون الى‏ قصة حب فريدة في نهايات القرن العشرين . 
 
الإختراق .. قصة سوء لا تنتهي !  
نعم أيها القارى‏ء الكريم  
لقد حالت الخيانة بينهم وبين الأمنيات .. إنهُ الإختراق المألوف المشؤوم ، إنها الوجوه المعهودة الملغومة ذاتها ! هو ذاك غدر قابيل ، وجُرح هابيل الذي لم يزل ينزفُ منذُ آلاف السنين ..  
سهم غادر انبعث من قلب الظلام ليصيب احدى‏ الخلايا الجهادية الصغيرة لمنظمة العمل الإسلامي ليحيلها الى‏ أضاحي وجثث هامدة !  
مجموعة ضمّت نخبة من الكفاءات الجهادية والأختصاصات العلمية ، وهاهي تندثر بلدغة غدرٍ من ذلك العقرب الاسود المسموم المدعو (رفيق كتاب علوان) .. 
- (لم يخنك الأمين ولكن أئتمنت الخائن) الإمام علي‏7 / نهج البلاغة .  
ولكن مَن هو رفيق كتاب علوان ؟! 
هو مجاهد قديم ومهندس قدير ، يسكن محافظة الحلّة ، حي (مصطفى‏ راغب) ، من مواليد (1960 م) أكمل دراسته الجامعية عام 1981م .. إعتُقِل عام (1982م) بتهمة نشاطه الديني والسياسي المعادي للنظام الحاكم وعصاباته) ..  
أُطلِق سراحه بعد أن وقّع عقداً باطلاً مع الشيطان يعمل بموجبه وكيلاً للفرعون .. 
الذي تمكّن بعلاقاته الإسلامية المتشعبة وبثقافته الجهادية الهادفة من كسب ود وثقة أولئك الذين لم يستعينوا على‏ قضاء حوائجهم بالكتمان ، والذين باتوا فيما بعد ضحايا الغدر اللئيم ، وكان أحدهم المهندس (السيد أحمد عباس وتوت) أحد أبطال المجموعة في التخطيط والتنفيذ للعديد من النشاطات العسكرية والعمليات النوعية الناجحة .. 
إنها اللُعبة القديمة الجديدة ، تلك القصّة السيئة التي لا تنتهي !! لقد تم اختراق المجموعة وكشف أسرارها .. حيث انضمَّ ذلك الخائن الماكر الى‏ الخليّة بدعم وتزكية السيد (وتوت) الذي كشف عن أسرار العملية الجهادية الناجحة الأخيرة (مهر ميسون) لهذا الغادر الذليل .. لذا تم اعتقال جميع عناصر الخلية بتهمة واحدة وفي يومٍ واحد وهم :  
1 - المهندس السيد (أحمد عباس وتوت) : خريج هندسة معمارية - جامعة - إعتُقل السيد وتوت من منزلهِ من قبل أزلام مديرية (أمن) الحلّة .. قيّد يديه المجرم رئيس العُرفاء (عُدي علي الچتان) بالجامعة الحديدية وتمَّ نقله مباشرةً الى‏ مديرية (الأمن) العامة ببغداد .  
بغداد - ومهندس التخطيط والتنفيذ .. يسكن الحِلة .  
2 - الدكتور حسام حميد : مسؤول الخلية النسوية ، والرابط مع السيد (وتوت) .. جامعة بغداد، كلية الطب ، يسكن محافظة الناصرية ( قضاءالرفاعي) .  
3 - المهندس محمد الملّي مواليد 1961م الحلّة ، خرّيج الجامعة التكنلوجية ، صديق مقرّب للسيد وتوت . 
4 - ميسون غازي الأسدي : جامعة بغداد - كلية الآداب ، قسم اللغة العربية (المرحلة الثانية) .. تسكن بغداد ، مدينة الكاظمية (علي الصالح . ( 
5 - السيد حسين هاشم مطلوب : طالب مرحلة أخيرة في كلية الهندسة - الجامعة التكنلوجية .. من مواليد 1961م / الحلّة ، صديق مقرَّب للسيد وتوت .  
6 - أنعام حميد : جامعة بغداد - كلية الآداب ، قسم اللغة العربية (المرحلة الثانية) .. تسكن الناصرية (قضاء الرفاعي . ( 
7 - إيمان : جامعة بغداد - كلية الآداب ، قسم اللغة العربية .. تسكن محافظة الديوانية ، خالها المهندس العسكري قائد العملية ورأس الهرم الرابط مع القوات الإسلامية .  
8 - بعض المهندسين العسكريين - من أهالي البصرة - الذين عملوا مع المجموعة من خلال الرابط المهندس السيد وتوت .  
 
الشهيد وتوت والرفيق الخائن .. الجذور 
الشهيد المهندس السيد أحمد عباس وتوت - ألبو منصور - من عائلة - السادة آل وتوت ينتسبون الى‏ حسين بن زيد بن الإمام زين العابدين‏7 وينقسمون الى‏ سادة ألبومنصور وسادة ألبوجواد .  
عُرفت بالدين والنبل . واشتهرت بالجهاد والعداء لطاغية بغداد ، من مواليد 1961م (الحلّة) .. متدين منذ طفولته ، عُرف بأخلاقه العالية وبخدماته للناس ، مهندس معماري - جامعة بغداد - لهُ تسعة أخوة وأربع أخوات ، تسلسلهُ هو الأصغر في العائلة ، امتاز بالذكاء الحاد والحذر الشديد ، إنتمى‏ في بداية شبابه لتنظيمات حزب الدعوة الإسلامية ، متزوج ولديه طفل لم يبلغ عند اعتقاله الاربعين يوماً .. 
- يقول السيد زيد عبدالأمير وتوت (إبن عم الشهيد السيد أحمد وأخ زوجته وأخ الداعية الشهيد السيد مُصدّق) ؛ الشهيد السيد أحمد عباس وتوت كان قد انتمى‏ في بداية حياته السياسية لتنظيمات حزب الدعوة الإسلامية بالحلّة .  
حرص السيد أحمد على‏ إقامة علاقات إسلامية مُتشعّبة لاحتواء الكفاءات المتدينة واستثمارها لما فيه مصلحة الإسلام وعراق المقدسات ، حمل محنة شعبه وتراب وطنه ناراً تستعر وجهاداً يستمر .. تعرّف على‏ المجاهد (رفيق كتاب علوان) بحكم التقارب في السكن والتشابه في الغايات ، سيّما بعد اعتقال الأخير عام 1982م حيث اصبحا (السيد أحمد ورفيق) أخوين يجمعهم الإسلام والهدف الواحد . 
يقول المجاهد السجين (السيد لطيف عبدالله حسن وتوت) :  
- السيد لطيف وتوت ؛ هو ابن عم الشهيد السيد أحمد وتوت وأخ لكل من الشهيدين (جعفر وبهاء) اللذان أُعِدما عام 1981م لانتمائهما لخط المرجعية الرشيدة المتمثلة بالمرجع الشهيد الصدر ولتأييدهما لثورة الإمام الخميني الإسلامية .. إعتُقِل عام 1982م لنشاطه الإسلامي ، وبعد ستة أشهرٍ من التعذيب والتوقيف في مديرية (الأمن) العامة أُطلق سراحه ليباشر من جديد جهاده في درب الإسلام اللاحب ، فاعتُقل عام 1985م ، وبعد تعذيب مُريع حكمت عليه محكمة (الثورة) العسكرية بالسجن المؤبد حسب المادة (257) .. أُطلق سراحه بعد الانتفاضة الشعبانية عام 1991م ، فهاجر - فيما بعد - بعد أن ضاق به رحاب الوطن .  
«رفيق كتاب علوان شاب متدين مجاهد ، عمل في بداية شبابه بمكوىً بخاريّاً في حي الماشطة كان يمتلكه ، والكائن بجوار جمعية المعلمين التي يسكن فيها المهندس السيد أحمد عباس وتوت ، فشكّل هذا التقارب بدايةً لعلاقة إسلامية سياسية ..  
تخرج رفيق من معهد التكنلوجيا وقضى‏ فترة الخدمة العسكرية المكلّفة في دائرة تجنيد الحلة ، فقدّم المساعدة لكثير من أبناء المنطقة المستضعفين وكنتُ أحدهم ، حيث رتّب تأجيل التحاقي بالجيش عدّة مرّات سيّما بعد أن عرف صلة الرَحِم التي تربطني بصديقه المُقرَّب المهندس السيد أحمد وتوت ، وقد حاول إقناعي بعدم الألتحاق بالجيش لأن في ذلك - على‏ حدِّ قوله - خدمة للطاغوت حيث كانت الحرب يستعر إوارها ، وتعهد بتوفير محل سكن للأختفاء ، لكني رفضت ..  
اللقاء الآخر الذي جمعني بالمجاهد رفيق كان عام 1982م في زنازين مديرية (الأمن) العامة ، حيث تم اعتقاله كمجاهد إسلامي .. أسرّني ذات يومٍ من أيام التوقيف بأني سيُطلق سراحي بعد يومين ، وأوصاني أن أُطمئن أهله لانهُ سيخرج بعد أسبوع !! وتم ذلك فعلاً ، لكنني لم ولن أشُك للحظة بأخلاصه ونزاهة دينه سيّما ان ابن عمّي المهندس السيد أحمد - المعروف بالدقة والخبرة والحذر - قد وفَّر له التزكية المطلقة فضلاً عمّا حظي به من احترام وثقة جميع سجناء (الحلّة) المؤمنين» .  
 
حوريّة في طوامير البعث  
نعم ، تم اعتقال (ميسون) من قبل وحوش مديرية (الأمن) .. حوريّة كبّلتها أكُف تماسيح ، أخذوها من قاعة الدرس أثناء الاستماع للمحاضرة ، سحبوها من‏ - اعتقلوا مع الطالبة ميسون كُلّا من إيمان وأنعام حميد .  
شعرها الفارع كالسمكة .. نقلوها الى‏ الأمن العامة الشعبة الخامسة ليمارسوا معها أبشع أنواع الحقد والانتقام ، حيث تم تعليقها في سقف الغرفة من شعرها الأشقر وضربوها بالعصي حتى‏ تورَّمت قدماها وعجزت عن المشي أو الوقوف .  
فتنازعت أحشاءَها حِرق الجَوى‏  
وتجاذبت أيدي العدوُّ رداءَها  
لقد جعلوا بجولاتهم المغولية وأساليبهم البربرية من جسد الحورية الطاهر جراحاً تنزف دماً زينبياً ثائراً ف (الدماء النازفة من جُرحِ حمامةٍ مسكينةٍ هي نفسُ الدماء المتدفقة من جِراح الانبياء . ( 
- مثل قديم .  
بَيْد أن تعذيبهم ووحشيتهم لم يزد (ميسون) إلّا صبابةً وولها نحو الشهادة ، كأنها حبيبٌ هام عشقاً وذاب شوقاً لوصال المحبوب (فهبني ياإلهي وسيدي ومولاي وربّي، صبرتُ على‏ عذابكَ فكيف أصبرُ على‏ فراقِك .  
- من دُعاء لأمير المؤمنين علي ع ، والمعروف ب (دُعاء كميل) .  
كانت وجوه الأخوات مخضلة بالدموع والحُرقة سوى‏ ميسون ، فقد صممت على‏ ألّا تبكي واحتسبت ، رُغم سحابة الحزن التي لاحَت في عينيها بسبب ذلك المُندس النذل ..  
ليت شعري ، زينبيات طوعَ بنان المجاهدين ، سرعان ما يوأدنَ بأشفار غدر تلك الاسباب المتكرِّرة .  
وهكذا وجدت (قمر الكاظمية) نفسها في مهب الأعصار ، حمامة بيضاء حطّت رحالها - قسراً - في مطامير الشعبة الخامسة بعد أن انتزعوها من عشها الشامخ هناك حيث المنارات العالية والقباب الذهبية .. ربّاه أي ظُلمٍ أوصل كل هذه الرِقّة والبراءة وهذا الجمال والطُهر بين يدي مجرمين أجلافٍ غِلاظ ؟! 
فلا مثل عزٍّ كان في الصبح عِزُّها 
ولا مثل حالٍ كان في العصرِ حالها 
لقد عذّبوها بوحشيةٍ وقسوةٍ تتناسب مع حجم الدور البطولي الذي رُشحِّت له ونفّذته بنجاحٍ تام .. مزّقوا جسدها بسياطهم وعصيهم ، لكنَّ الله حماها من ذئاب الخسّة والنذالة ، فلم يمارسوا معها أساليبهم القذرة التي استُخدِمَت مع بعض الأخوات ك (فاطمة ورجيحة وابتهاج وشكرية) لا رأفة بها ، بل لان الاختراق كان عميقاً والأسرار مكشوفةً والاعترافات صريحةً ، ثم ان الخلية كانت صغيرة محدودة وغير متفرعة ، وهاهم قد استأصلوها بالكامل . لكن أشد ما كان يؤلم بطلتنإ؛لض ه+ (ميسون) هو ذلك التحقيق الذي أجراه مدير الشعبة معها وهي متدلّية بجسدها ، مُعلّقة من شعرها ..  
الجلّاد (رائد عامر) :  
- غبيّة ! اخترتِ هذا الطريق ولكِ من الجمال والثراء ما يغنيكِ عن هذه النهاية ؟! 
- الحمد لله الذي هدانا لهذا الطريق .. إنهُ طريق الانبياء .  
- وهل الأنبياء يأمرون بخيانة الوطن وطاعة الفرس ؟! 
- نحن نفتدي الوطن بأرواحنا ، ولن نطيع سوى‏ الله .  
- بكلامك هذا تضحكين عليَّ أم على‏ نفسكِ ؟! 
صمت .  
- على‏ كلٍّ .. لقد خدعوكِ وغرَّروا بكِ ، وحرموكِ من دنيا جميلة ومستقبل أجمل .. فأنتِ تملكين مايتسابق أفضل وأثرى‏ الرجال على‏ باب داركِ للزواج منكِ .  
إعتصمت ميسون بالصمت .. كيف يفهم هذا الوغد أنها بعيدة عن تلك الاحلام التافهة التي تملأ عليهم كل حياتهم واهتماماتهم ان حُبها لله والوطن أجل وأعظم من دُنيا زائلة مهما كان بريقها..  
إعترفت ميسون مثلما اعترف جميع أفراد المجموعة .. كيف لا والشاهد أحدهم !! 
بَيْد أن (ميسون) وبكل ما لاقت من تعذيبٍ وترهيب ، لم تقُل ما يُنقص من قدرها ، وهذا بحد ذاته موقف عز ومشهد إباء وعنوان خط ..  
وهكذا تعرّضت فراشات كلية الآداب - كما تعرّض بقية عناصر الخلية - الى‏ جولاتٍ من التعذيب بربرية .. ونحن لانريد إطالة الحديث عن وسائلهم الوحشية وأدواتهم الجهنّمية في تعذيب الضحايا . فالقلم يعفّ عن تكرارها رُغم أهميتها ، كونها حقائق ووثائق ، سيّما وأن هؤلاء الخنازير لايرعوون عن تمزيق حتى‏ الأطفال الرُضّع لانتزاع الاعترافات من آبائِهم .  
يقول السجين المجاهد السيد لطيف وتوت :  
«في اعتقالي الثاني عام 1985م تم التحقيق معي وتعذيبي في إحدى‏ غرف الشعبة الخامسة في مديرية (الأمن) العامة ببغداد .. كان الضابط (الجلّاد) يهدّدني بالقتل ويقول ؛ ان لم تعترف سألحقك بابن عمّك أحمد عباس وتوت ، الذي وصفهُ بالمجرم الذي أُعدِم لانتمائه لحزب الدعوة العميل - - إتّبع النظام الحاكم في بغداد سياسة حصر جميع القوى‏ والحركات والتنظيمات الإسلامية بتهمة الأنتماء لحزب الدعوة الإسلامية - العميل المرتبط بالأجنبي على‏ حدِّ تعبيره - وشملها بمادة الاعدام (156 – أ) مكراً منه وتضليلاً للرأي العام الداخلي والخارجي .  
على‏ حد قوله .  
و

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (9 منشور)

avatar
اكرام حسن 21/09/2011 19:39:36
سنبقى لطريق الحق سالكين
avatar
علي وتوت 21/09/2011 10:12:10
سنبقى لطريق الحق سالكسين
avatar
علي وتوت 21/09/2011 10:08:18
سنبقى لطريق الحق سالكين
avatar
علي وتوت 21/09/2011 10:05:10
سنبقى لطريق الحق سالكين
avatar
عبد السلام الرفاعي 11/01/2011 04:35:32
السلام عليكم
الى كل طيب وسائر على نهج الشهداء .. اود اعلامكم ان هذه الذكريات حقيقية وواقعية ومنقولة من كتاب (مذكرات سجينة) للاستاذ علي العراقي وفاطمة العراقي وطبعت قبل عشر سنوان تقريبا لذا لا يمكننا التغيير فيها رغم اننا نعلم ان نجيب عبد الحسن حي يرزق....
avatar
محمد رضا الصريفي 10/01/2011 18:26:04
شكرا للاخ الكاتب بارك الله بك وبمجهودك فانت بقلمك الان تشارك الشهداء بجهادهم ذاك .
ملاحظه للاخ الكاتب
1.الاخ نجيب عبد الحسين مازال حيا حيث خرج من السجن بعد مدة.
2.لم استطع ان اعثر على السطور الاخيرة من قصة الشهيد حسام الجزء الاول
avatar
محمد منصور 10/01/2011 17:50:01
جهد مشكور عليه اخي الكاتب .ولتكن دعوه لكل عوائل الشهداء ان ينشروها لان هذا ابسط حق لهم علينا ويجب ان نحارب صدام حتى بعد فناءه اظهارا للحق ولفائدة اجيالنا القادمة
avatar
ام محمد رضا 10/01/2011 17:26:49
تبكيك عيني لا لاجل مثوبة لكنما عيني لاجلك باكية
تبتل منكم كربلا بدم ولا تبتل مني بالدموع الجارية
avatar
ابومهيمن العتابي 28/12/2010 08:27:43
الحمد لله الذي رزقهم الشهاده وادحض الضالمين. الحمدلله الذي جعل دمائهم سراجايستنار به .لذلك انتصرت دمائهم على كل سياط المجرمين.
المجموع: 9 | عرض: 1 - 9

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال

قيّم هذا المقال

0