الرئيسية | خالدون | الشهيدة ميسون غازي الاسدي زوجة الشهيد الدكتور

الشهيدة ميسون غازي الاسدي زوجة الشهيد الدكتور

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
عدد المشاهدات : 2546
الشهيدة ميسون غازي الاسدي  زوجة الشهيد الدكتور

حسام حميد حسن الصريفي الرفاعي الجزء الثالث

أجمل الحكايات

 «جاءت السجّانة الرقيبة الى‏ باب القسم ونادت باسم ميسون ، فما كان من الشهيدة إلّا أن هبّت واقفة فرِحة ،  

ثم أسرعت الى‏ الحمّام واغتسلت ثم قرأت بعض الآيات ودُعاء العديلة وارتدَت ملابس جديدة
الحديث - أخي القارى‏ء الكريم - عن ميسون يطول والكلام فيها يحلو سيّما بعد أن اختتمت حياتها في أجمل الذكريات ، غير أن الصور المتزاحمة المتدافعة من بعيد وعلى‏ لسان صويحباتها السجينات قد شغلتني عن قلمي .. فها هي الذكريات قد احتشدت في خواطر الأخوات اللاتي تَسابقنَ للحديث عن مشهد التوديع بعد أن فتحنَ دفاتر الماضي فاختصرنَ سيرتها وشرعن للتحدّث عنها :  
تقول السجينة المجاهدة الأُخت (مريم الشروفي): 
«وصلت الشهيدة ميسون سجن (الرشاد) نهاية عام 1984 م ، وكان قد سبقها العديد من الشهيدات أمثال الحاجّة رجيحة .. إستثمرت ميسون في السجن كل وقتها وما تبقى‏ من عمرها - وهي في زهرة شبابها - في العبادة وقراءة القرآن والدُعاء .  
في صباح يومٍ باردٍ من بداية عام 1985 م وبعد الساعة التاسعة صباحاًعلمنا بوجود تنفيذ للاعدام هذا اليوم .. ولكن بِمَن ؟! لا نعلم .. لا ندري مَن سينضمُّ الى‏ قافلة الشهداء ، لأن هناك وفي الوقت ذاته أربع أو خمس فتيات في عمر الزهور ينتظرن أيامهنَّ الأخيرة ليتأهبنَ للمسير على‏ درب أبي الأحرار ، كُنَّ يقفنَ بصلابة الرجال الأقوياء أمام طاغية زمانهن مُعلنات رضاهنَّ بقضاء الله وقدره .  
ثم دخلت الرقيبة (السجّانة نوريّة) الى‏ الصالة ونادت : أين ميسون ؟ فعلمنا أن الاعدام هو حصّتها . لذا كُنّا إذا تم استدعاء أيّ واحدة من الأخوات المحكومات بالاعدام ، نقول مثلاً ؛ انها في الحمام ، لكي نكسب بعض الوقت لنُعلِم فيه الضحيّة لئلا تراها الرقيبة ومن ثم لِنُخْلي لها سبيل الاغتسال والصلاة ركعتين وقراءة بعض سور القرآن والأدعية وارتداء الكفن المُعَد لها مُسبقاً .. 
ثم يحين وقت التوديع ، وياله من توديع .. والله لو تأتي كل كاميرات الدنيا لتصوّر ذلك المشهد لِما أعطتهُ حقه، مع يقيننا بأنه مُصوَر ومحفوظ عند البارى جلَّ وعلا .. 
لقد كانت الشهيدة الغالية كالفراشة الجميلة التي تتنقّل بين الأزهار وهي تطير مُغرِّدة ومُردِّدة أجمل التعابير وأعذبها بعزمٍ ويقينٍ ثابتين وبعقيدة راسخة لا تهزها أو تزعزعها العواصف البربريّة ، وهو نشيدها ؛ (النورُ مل‏ءُ عيوني .. والحورُ ملكُ يميني) كانت تعانق الأخوات للتوديع ، تقرأ مقطعاً عند هذهِ ثم تعانق الأُخرى‏ وتقرأ المقطع الآخر وهي تُكفكف - أثناء ذلك - دموع الأخوات بيديها ، حتى‏ انفجر الجميع بالبكاء وضجّت جُدران المكان وأخذت تئن لهول المصيبة .. 
وأُقسِم بأني رأيت تلك الرقيبة (السجّانة التي كانت تكرهنا) تبكي وتكفكف دموعها ، حيث‏ - إيمان (أُم سفيان). 
قالت لميسون وبحزنٍ وألم ؛ (إطِلْعي .. إطِلْعي) حينما حضر عند الباب ذلك الجلّاد ذو الملابس السوداء والوجه الخشن والشاربين الكثيفين ، والذي وضع لاحقاً الجامعة الحديدية في يديها الغضّتين .  
خرجت الشهيدة ميسون الى‏ فناء السجن حيث كانت السجينات من جميع الأقسام الأُخرى‏ في الساحة ، فأخذت تودّعهنَّ وهن يبكين وينحبن وقد تعالى‏ بكاؤهنَّ وصراخهنَّ من كل زوايا السجن الرهيب .. كل ذلك وميسون قوية شامخة ومبتسمة تُردِّد آيات الذكر الحكيم .. 
وحينما وصلت ميسون الباب الخارجي رفعت إحدى‏ يديها مشيرةً بعلامة النصر ، رافعةً إصبعيها الوسطى‏ والسبّابة ، وتُلوِّح اليد الأُخرى‏ مُشيرةً للوداع حيث تم نقلها لاحقاً الى‏ سجن (أبو غريب) في قاطع الإعدام» . 
أما السجينة المظلومة الأُخت العلوية (زهراء البطّاط) فتقول :  
- السجينة العلوية زهراء البطاط ؛ هي أُخت السيد محسن البطّاط الذي تمّ اعتقاله وأولاده الثلاثة منذ عام 1981 م والى‏ الآن .. وأُخت الشهيد البطل السيد سهيل البطاط الذي ختم حياته بمواجهة مسلحة ضد أزلام أمن النظام عام 1983 م ، يعرفها جميع أهالي منطقة النجيبية في محافظة البصرة الصامدة .. اعتقلت عام 1984 م وحكمت عليها محكمة الفرعون بالسجن (7) سنوات ، قضت بعضها في سجن (الرشاد) ببغداد .. أُطلق سراحها في عفو عام 1986 م .  
«كانت الشهيدة ميسون طيلة فترة (الرشاد) مُعتكفة على‏ العبادة كما هو شأنها في (مَوقف) الأمن العامة حيث كُنتُ معها .. لم أر الابتسامة قد فارقت ثغرها أبداً .. حتى‏ جاء يوم تنفيذ الاعدام .. وكان يوماً رهيباً لايُنسى‏ .. فعندما تناهى‏ الى‏ سمعها خبر وصول الجلّاد ، إغتسلت غسل الشهادة ولبست كفنها .. وبينما هي تودِّعنا كانت شفتاها تردّدان أُنشودةً لها ومن تأليفها وقد وصفت فيها الشهادة وجنّات النعيم .. 
جميع الأقسام ودّعت ميسون بالدموع ، بل بكت عليها حتى‏ إدارة السجن والرقيبات وسجينات الأقسام الأخرى‏ (الثقيلة والخفيفة)!! 
أما ميسون فكانت تودِّعنا وهي فَرِحَة كأنها في ليلة زفافها ...» . 
وأضافت السجينة المجاهدة الأُخت (أُم إيمان البصري) تحدِّثنا عن مشهد الوداع قائلة :  
«جاءت السجّانة الرقيبة الى‏ باب القسم ونادت باسم ميسون ، فما كان من الشهيدة إلّا أن هبّت واقفة فرِحة ، ثم أسرعت الى‏ الحمّام واغتسلت ثم قرأت بعض الآيات ودُعاء العديلة وارتدَت ملابس جديدة كانت قد هيأتها لمثل هذا اليوم وهي عبارة عن سروال أبيض ودشداشة بيضاء كتبت الأخوات عليها سورة يس ودُعاء الجوشن الكبير والعديلة ثم ارتدت المانتو والعباءة .. 
كانت ميسون تتحرك فَرِحَة مُسرعة كأنها العروس في ليلة زفافها .. مَن يراها يَظن أنها ذاهبة لموعدٍ جميلٍ هام.. 
أما نحن فكُنّا نبكي لأمرين ، الأول ؛ فقدان مثل هذه الروح الكبيرة والثاني ؛ نبكي على‏ أنفسنا بعد أن أحسسنا أننا لاشي‏ء أمام هذا الإيمان .. كُنّا كقطراتٍ في بحر إيمانها .. 
وبسبب تجاوز ميسون الوقت المقرَّر للتوديع ، امتلأت بعض السجّانات غيظاً منها ، وصرنَ يتعجّبنَ منها ويتسائلنَ ، ما بال ميسون ؟ ما الذي يفرحها ؟! أليست هي ذاهبةٌ الى‏ الاعدام .. الى‏ الموت ؟! 
كيف لمثل هذه القلوب السوداء المنحوتة من الصخر والتي خيّم عليها الظلام تعي أن ميسون كانت تعيش في عالَمٍ ملكوتيٍّ بعد أن انقطعت من جميع العلائق الدنيوية الى‏ حيث الأنوار القدسيّة .. 
هكذا ودّعتنا ميسون ، كانت تُردِّد نشيداً جميلاً عذباً طالما ترنّمت به حتى‏ صار جزءاً من كيانها ووجودِها .. 
خرجت وهي تبتسم وتشبك كفيّها وتقول ؛ (كونوا يداً واحدة وروحاً واحدة) .. كان مشهداً لم ولن ننساه مادامت فينا ذاكرة».  
هكذا ودّعتنا ميسون وغادرت (الرشاد) بعد أن نادتها يد الغيب ، فخفقت كحمامةٍ هَفَتْ الى‏ عشِّها .. نقلتها سيارة الاعدام الى‏ مقاصل (أبوغريب) سالكةٍ طريقاً بمنأى‏ عن المدينة تراءى‏ لميسون من خلاله تلك المنارات المتلألئة في سماء بغداد ، فغادر الدمع عيونها صوبَ تلك الأُمسيات لقباب الكاظمية الشاهقات بعدَ أن شطَّ بينهم المزار وتعذَّر شدُّ الرحال . 

 

أُغنية الشهيد 
النور مل‏ءُ عيوني والحور ملك يميني وكالملاك أُغني لجنّةٍ وعيونِ * * * 
أرى‏ الحياة متاعاً ورحلة وصراعاً فاخترتُ دربي بنفسي وسرتُ فيه سراعاً * * * 
فصرتُ ناراً ونورا وغنوةً وعبيرا حتى‏ مضيتُ شهيدا مُرحِّباً بالمنونِ * * * 
فى جنّة الله أحيا في الف دنيا ودنيا وما تمنيتُ شيئا إلّا أتاني سعيا * * * 
فلا تقولوا خسرنا فلتسألوا الأمس عنّا إن كان في الخُلد خسرٌ فالخيرُ أن تخسروني * * * 
هذي الجنان مراحي وعطرها من جراحي سحرٌ وروحٌ وراحٌ يانفسُ أىَّ رواحِ * * * 
جُلّاسي الانبياءُ وأُخوتي الشهداءُ والله يضفي علينا ظلال حبٍّ حنونِ  
 
زواج في مدينة الموت !  
وافق ضابط مفرزة الاعدامات على‏ الطلب الذي تقدَّمت به ميسون لتوديع خطيبها والذي تأمّله باستغرابٍ ودهشة ، ولعله وافق ليشبع فضوله بفصلٍ جديدٍ غريب من مسلسل (أبو غريب) الكارثي اليومي .. 
وتمَّ اللقاء .. إجتمعت الاجساد أخيراً ، التقى‏ الحبيبان وتشابكت رواحيهما التي ما انفصلت مُذ تعارفت .. والتقت العيون بالعيون ، فهاهي ميسون وجهاً لوجه أمام حسام في لقاءٍ حالمٍ جيّاش بالشوق والعاطفة . 
كان لابدَّ لميسون أن تفي بعهدها ، أن لا تخرج من الدنيا وفي روح قدوتها وحبيبها بعض عتب .. فالوفاء قيمة أخلاقية متأصلة في روحها ، وهي الوفيّة الأثيرة .  
وهكذا تم عقد الزواج في معاقل الجهاد وصارت ميسون زوجةً لحسام وللحظاتٍ معدودةٍ فقط ! فهذا كل مابقي لهما من الدنيا .. بَيْدَ أنهم اتفقا على‏ عهدٍ آخر ، فأن أفلحا ورزقهما الله عزَّوجل الجنّة وحُسن الختام تعاهدا أن يبقيا زوجين هناك في الفردوس والى‏ الأبد :  
- ميسون !  
- نعم حسام  
- لي رجاء .. إن أفلحنا ورزقنا الله الشهادة ، هل توافقين أن تكوني زوجتي هناك في الفردوس ، في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر ؟  
- بكل تأكيد ياقرّة العين وياحبيب الروح ، فأنا إن شاء الله زوجتك في الدنيا والآخرة .  
إرتسمت على‏ قسمات مُحيا حسام المُتعَب بعض إبتسامة وقال :  
- ولكن بشرط أن لا يكون هناك مهرٌ جديدٌ .. 
- لا ، لا مهر هناك ياحسام .. فهناك الخير والجمال والنقاء ، إذ لا عناء ولا ظلمٍ أو خيانة .  
- وداعاً حبيبتي ميسون .  
- الى‏ لقاءٍ قريبٍ ياحسام .  
ولكن أي حفلٍ للزواج هذا الذي يحيطه بدل الأهل والاحباب ، الجلّاد ووحوش الغاب !! أي احتفالٍ وعُرس هذا الذي يجمع العريسين وبقربهما الحبل وكرسي الكهرباء !! 
يا أبناء الإسلام .. ياغيارى‏ العراق ، طوبى‏ لكم وهنيئاً لكم عرس الشهادة .  
كم كانا يودّان الارتماء في صدور بعضهما ، ليطفئا هذا الأوار الملتهب من الحنين والعذاب لولا حياء السرائر وعِفّة النفوس .. كم كان يود حسام لو يعانق زوجته ورفيقة دربه بشوقه المتّقد .. يتلمّس جراحها ، يُجفّف دموعها الساخنة ، يُخفّف أحزانها الحارقة ، يحتضن آلامها بآلامه .. لكن سموَّ أخلاقهم وعلوَّ آدابهم حال دون ذلك .  
صلّوا ركعتين قبل التفرّق .  
إنتهت لحظات اللقاء التي سمح بها مزاج الضابط المسؤول .. سحبوهما ، فرّقوهما عن بعضهما وعيناهما متسمِّرتان ببعضهما لم تتحركا ، تأبيان الانفكاك ، كانتا تسافران الى‏ بعضهما وتتعانقان .. كانا كأنهما روحاً انفصلت الى‏ شطرين .. 
ودّعته وهي تمسح دموعاً تأبى‏ أن تتوقف ، إنسحبت وهي تصارع آلاماً ما انفكّت تتصاعد .. ميسون التي أبت الانكسار أو البكاء أمام جولات الأوباش ، هاهي أمام الحبيب مُنهدّة صريعة الدموع والآلام !  
لكنها وبرغم السيل الحارق المنهمر من عينيها وروحها كانت في قمة السعادة والانشراح .. فالوجه كان قريراً يستبشر ويستعجل الرحيل للمعشوق الأبدي والمحبوب السرمدي ، سيّما وقد تيقنت أن حسام سيكون معها رفيق رحلتها .  
تقول السجينة المجاهدة (أم إيمان العبّاسي) نقلاً عن الرقيبة التي رافقت‏ - إحدى‏ سجينات الحركة الإسلامية في العراق .. اعتُقلت مع زوجها عام 1982م بتهمة (تجاوز حدود) ، حُكم على‏ زوجها الشهيد (رعد محسن العاصي) بالأعدام وهي بالسجن عشر سنوات .. أُطلق سراحها في عفو عام 1986م .  
ميسون الى‏ (أبو غريب) :  
«عند غروب الشمس وقبل تنفيذ الإعدام بدقائق ، تم اللقاء بين ميسون وحسام .. كانت حريصة على‏ اللقاء به قبل الاعدام لتفي بعهدها الذي قطعته له .. وافق الضابط على‏ ما أرادت ، وفعلاً سمح لهما باللقاء .. 
طَلبتْ من حسام أن يقرأ عليها صيغة عقد الزواج ، وتم ذلك فعلاً .. ثم تعاقدا على‏ عهدٍ آخر ، فان شاء الله وكانت عاقبتهما الجنّة سيكونان لبعضهما أيضاً .. لم يدم اللقاء سوى‏ لحظات ، تفرّقا بعدها ليُنفّذ فيهما حُكم الاعدام ...» .  
 
عروس على‏ كرسي الكهرباء !  
أخذوا ميسون وأدخلوها غرقة فيها كرسيٍّ حديديٍّ بشع .. تأملتهُ ولم تبالِ به كثيراً ، لان فراق حسام قد أيقظ كل جراحها المكتومة .. إنهمرت دموعها كالفيض ثم افترشت الأرض في زاوية الغرفة صريعة حزنٍ كبير .  
جَنحتْ الشمس للمغيب واقتربت لحظات الغروب .. 
دخل الغرفة شخصان بشعان يأتمران بثالثٍ ضابط ، تتبعهم الرقيبة (أُم سفيان) التي رافقت ميسون من منفى‏ (الرشاد).. 
سحبوها من الأرض بهمجيَّة وأجلسوها على‏ الكرسي الكهربائي وبدأوا يقيّدون يديها وقدميها ثم رأسها بأذرعٍ حديدية نصف دائرية ..  
ولكن لِمَ كل هذه الوحشية ؟! إنهُ عقاب مَن يلعن الصنم .. لقد استلم ضابط أمن قسم الاعدامات - ممثل القصر الفرعوني في سجن (أبو غريب) المركزي - تقريراً من مدير سجن (الرشاد) المجرم النقيب حسن العامري يوضّح فيه أن السجينة (ميسون غازي) قد جعلت من لحظات التوديع في القسم الثالث مهرجاناً خطابياً تَحدّتْ فيه حكومة الفرعون وبشّرت بسقوط جبروته .. 
فقرّر الاوباش إعدامها بالكرسي الكهربائي وتعذيبها حتى‏ الموت غُصّةً بعد غُصّة !! 
أيَّ ظلمٍ هذا الذي يمنع ضحاياهم من قول كلمتهم ووصاياهم حتى‏ قبل تنفيذ الموت الأحمر بهم ؟! 
أيَّ نظام مغوليٍّ بربريٍّ هذا الذي يمنع ضحاياه من التغنّي بالقيم والمبادى‏ء التي آمنوا بها والتي من أجلها ستُزهق قريباً أرواحهم ؟! 
وهكذا تفتّقت أحقادهم عن خطّةٍ سوداء ، لقد أفرغوا كل مالديهم من لؤمٍ ووحشيةٍ على‏ جسد هذه الحورية المقيَّد على‏ كرسي (الحرّية) في رسالة البعث الخالدة .. 
- شعار حزب البعث العربي الإشتراكي الذي يحكم العراق : أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة 
وأهدافه : وحدة ، حرية ، إشتراكية !!  
بَيْدَ أن ميسون ومنذ مغادرتها (الرشاد) حتى‏ وصولها (أبو غريب) وجلوسها على‏ كرسي الاعدام الكهربائي ، لم تطلب أو تتفوَّه بما يقلل من كبريائها وإبائها .. كانت صامتة صامدة ، ولكنها وبعد نصف ساعةٍ من التعذيب البطي‏ء صارت تصرخ صرخات هستيريّة اختصرت كلَّ لغات الإنسانية ، ولكن لا من مجيب .. 
وشيئاً فشيئاً ضاعت صرخاتها بين طيّات صعقات الكهرباء وتحولت الى‏ أنين ، إنهُ أنين فتاة تحتضر .  
طَلبتْ وبصوتٍ واهنٍ بعض ماء ، ولكن هيهات فالبعث يكره الزرعَ ! إنهم يقتلون الزهور عطشى‏ .. 
يريدون من ميسون أن تمدح الصنم وهي تأبى‏ ، فيعاودون الصعق الكهربائي ثم يكررون الطلب فتُكرِّر الإباء .. كانت تعاني آلاماً دونها كل الآلام .  
 
يامُثقلة الجفنين .. 
أُختاه ميسون .. ماذا يسعني أن أقول ليطّلع أخوانك وأبناء وطنكِ على‏ آلامكِ ؟! فالمشهد كان مُفزعاً مهولاً والقلم مازال عاجزاً ينوء بجراحات الروح .. ربّاه ، كيف لي أن أصف تلك الجريمة البشعة ؟! 
لقد أحالت الكهرباء خدّيها المتوردتين الى‏ خشبةٍ صفراء .. كانت تجود بنفسها ، تئن بطريقة تُذكِّرُك بأنين الحوراء يوم عاشوراء !  
تَصفَّد جبينها الزاهر عرقاً ، سيطر الوهن على‏ جسدها شيئاً فشيئاً فكأنها شمعةً ذابت روحها رويداً رويداً ، ولسوف تنطفى‏ء بعد حين .  
ميسون صبراً .. لم يبقَ إلّا القليل .  
إبكِ يا أُخي .. إبك ياعراق ، إبك ياوطني الحبيب ، فلميسون كل الدموع .  
حاولَت رفع جفنيها فعجزت ، غير أن الرموش مازالت تتحرك والشِفاه مازالت تُتَمتم تنبض ببقايا حياة .. فروحها لم تزل تصارع الموت البطي‏ء .. 
بقيت العينان ساكنتين بينما راح الجسد المقيّد ينتفض وينتفض ، ثم صار يتراخى‏ .. يتراخى‏ بعد أن حرَّكتهُ رعشة الموت .. 
وهكذا ذَوتْ ميسون وخَبا نورها شيئاً فشيئاً حتى‏ انطفأتْ وساد الظلام .  
 
القاتل يبكي قتيله !  
نادراً ما تتعاطف الرقيبات مع ضحايا النظام ، وحتى‏ ولو بقي في قلب إحداهن بقايا إنسان تراهُنَّ يكتمن ذلك ولم يُصرِّحن به إمّا خوفاً من عيون النظام أو عِزةً بالاثم .. بَيْدَ أنَّ الأمر مع ميسون كان يختلف تماماً .. فقد وصفت الرقيبة المرافقة (إيمان / أُم سفيان) مشهد الاعدام وقالت :  
«أثناء فترة تنفيذ الاعدام على‏ الكرسي الكهربائي ، فَتَحتْ ميسون فَمها عدّة مرات .. كان لسانها جافاً كالخشبة ، لانها كانت وقبل توصيل الكهرباء بالكرسي قد طلبت قليلاً من الماء ولم يسمحوا لي بتوفيره لها ! وقد كررت الطلب أثناء جولات التعذيب .. كنت استشعر أنفاسها ، كانت ناراً مستعرة .. إستغرق وقت التعذيب والأعدام قرابة الساعة أو أكثر بقليل !» .  
الرقيبة (إيمان) التي كان عملها ومرافقتها للضحايا صورةً رتيبةً متكررة ، قد قسى‏ قلبها ، فهو كالحجارة أو أشدُّ قسوة .. لكنها مع ميسون كانت تختلف .. لقد بكت من أعماقها ، وشاركت الأقسام السياسية - الغارقة بالحزن - بالدموع والنحيب المُر.. وهكذا تجلّت حكمة الخالق عزّ وعلا إذ ساهمَ الجلّاد في نشر بطولة الضحيّة! 
سألتها إحدى‏ الأخوات من القسم الثالث :  
- كيف ستقابلين ربكِ وأنتِ واقفة كل هذا الوقت بجنب ميسون تشاهدين ما يجري عليها ؟! 
- وماذا باستطاعتي أن أفعل ؟! إنها وظيفتي !  
- أي وظيفة هذه .. إتركي الوظيفة .  
- وأنتم لِمَ لاتتركون السياسة !  
نَظرتْ إليها الأخت بسخريةٍ لاذعة وأشاحت بوجهها وهي تحوقل .  
 
عَلَتْ .. فتصاغروا 
كانت تلك الرقيبة التعيسة تُقسم بالله الذي لم تعبده قط أن ميسون كانت وحتى‏ قبل إرتحالها بدقائق معدودة، منشرحة الصدر منبسطة الوجه متمتمة مع ربها .. لقد رَحلت والصلاة على‏ شفتيها .  
وهكذا قتلوا ميسون .. قتلوا الربيع والجمال .. استأصلوا وردة الجوري بهذه الطريقة البربرية فتلاشى‏ عطرها وشذى‏ عبيرها ..  
إنطفأت ميسون .. تلاشت جسداً لم يبلغ ربيعه العشرين ، وبقت روحها مجداً فوق جبين عراق الفراتين .. 
إستشهدت ميسون وتحت أقدامها دُنيا خضراء .. إرتحلت فَعَلتْ ، وقَتَلوا فتصاغروا .  
 
القمر يُدفن ليلاً !  
تم إبلاغ أهل ميسون بيوم تنفيذ إعدام إبنتهم ليتسنّى‏ لهم استلام جثتها ودفنها .. جاءت الأم المثكولة ومعها زوجها وأُختها (خالة ميسون).. 
تقول السجينة المجاهدة العلوية زهراء البطّاط :  
«.. في اليوم الذي تلا الاعدام ، سألنا الرقيبة التي رافقت الشهيدة ميسون ، فقالت ؛ لقد أرسلوا خلف أهلها لتوديعها فجاءت معهم خالتها التي توسّلت بالضابط المسؤول وقالت له (ضعوها في كفّة ميزان وأعطيكم بقدر وزنها ذهباً ، فقط لاتعدموها .. كان جواب الضابط ؛ لن نستطيع فعل أي شي‏ء .. لقد وقّع السيد الرئيس على‏ إعدامها وانتهى‏ الامر) فأُعدمت بالكرسي الكهربائي على‏ البطي‏ء لمدة ساعتين وأُعدم خطيبها معها» .  
أما والدها الذي لم يزل على‏ ظنّه يُمنّي نفسه النتيجة الباهرة ، فقد جاء ليرى‏ أملهُ قد ابتعد بعيداً .. لقد خدعوه، فكان وقع النبأ عليه كالصاعقة .  
كانت ميسون مُستلقية على‏ ظهرها هادئة كأنها عروسٌ نائمة .. لقد اختفى‏ الألم وعادت البراءة الى‏ وجهها الطفولي المُتألِّق طُهراً ونقاءاً .. 
أبوها الذي تقوّست قامته كان ينظر إليها ذاهلاً مشدوهاً .. يناديها ، غير أن ابنته المطيعة لم ترد عليه هذه المرة .. رفعها عن الأرض ، احتضنها ليملأ صدره المشتعل من شذى‏ عطر ابنته الحبيبة التي فارقها شهوراً طويلة .. لم يستطع اخماد نار آلامه ، إنسابت دموعه كالسيل على‏ وجهه ، فبكى‏ مقهوراً .. بكى‏ الاب ، بكت الشيبة .. وما أقسى‏ على‏ النفس من بكاء الرجال .  
أعطوه ورقة وفاةٍ صفراء - تصريحاً - تسمح بدفنها بعد أن وقّعَ على‏ تعهدٍ يشترط دفن القمر ليلاً وبلا أدنى‏ مراسيم لاستقبال التعازي !! 
نعم ، لقد دفنوا ميسون ليلاً .. دفنوها في مقبرة الغَري ، تلك التي تقطّعت فوقها القرون تلو القرون والابطال تلو الابطال .. 
كان الأب مُنحنياً يُحدِّق بانكسار وذلٍّ كبيرين على‏ أكوام التُراب وهي تنثال على‏ جسد كريمته الساكنة .. 
دفنوها في وادي السلام وأهالوا التُراب عليها .. دفنوا القمر ليلاً .. طمروا الربيع ، اختفى‏ تحت رُكامٍ هائلٍ من التراب !  
دفنوا ميساء .. دفنوها جسداً ، أما روحها فقد صعدت الى‏ المجد .. صَعدتْ وصعدَ معها العراق الى‏ حيث القمر .  
 
ياحُبيبات التُراب‏ 
أحضنيني .. قبّليني‏ 
مرّري كفّ أبي الفضل‏ 
على‏ رأسي وعيني .. 
وجبيني .  
إرحمي يُتمي وآلامي .. 
ودمعي وشجوني .. 
ردّدي همهمة الحزن‏ 
وآهات أنيني .. 
واحفظي هذا الشباب .. 
ياحُبيبات التُراب‏ 
ياحُبيبات التُراب .. 
تقول السجينة المجاهدة الأُخت (مريم الشروفي) :  
«بعد أن تم نقل الأخت ميسون من سجن (الرشاد) الى‏ سجن (أبو غريب) قاطع الاعدام - الأحكام الثقيلة - إلتقت هناك بخطيبها الشهيد حُسام .. ثم تمّ تنفيذ الاعدام بطريقة الكُرسي الكهربائي حسب ما نقلت لنا إحدى‏ الرقيبات فيما بعد .. بعدها تمّ تسليم جثمانها الطاهر الى‏ ذويها ودفنها الى‏ حيث الروح والريحان والجنان ، كما تمّ تسليم جثمان الشهيد حُسام الى‏ أمهِ التي أتت الى‏ (الرشاد) في المواجهة بعد الاعدام وجلبت لابنتها السجينة ) أنعام) تراباً من قبر أخيها الشهيد .. 
فما عسانا أن نقول في حق هذه البطلة ؟! وكيف عسانا أن نَفخر بها ؟ أم كيف عسانا أن نرتبط بها بأرواحنا كما ارتبطت بذلك الدرب الحسيني الأصيل ، فغدت تنثر بها دماءها الزكية فداءً للعراق وللإسلام العزيز .. 
فليشهد التاريخ على‏ أسمى‏ أنواع العشق والارتباط وأعظم أشكال التلبية الصادقة لواعية سيدنا ومولانا سيد الشهداء وأبي الأحرار والمظلومين في كل زمانٍ ومكان .. 
فهنيئاً ثم هنيئاً من عُشّاق وفّوا حق معشوقهم بأروع السُبُل ، وطوبى‏ لِمَن يُخلِّد ذكراهُم ..  
وسلامٌ ثم سلام منّا على‏ المغيّبات في قعر السجون .. وسلام ثم ألف سلام منّا على‏ الذاهبات الى‏ ما لا عينٌ رأت ولا أُذنٌ سمعت ولا خطرَ على‏ قلب بشر حيث الخلود والعشق السرمدي» .  
بقي أن ننقل ما أخبرتنا به إحدى‏ السجينات الفاضلات صباح يوم الخميس من رؤية في المنام ، حيث لم يغب طيف ميسون عن عيوننا .. فبعد أن استسلمت العيون المُتعبة لطائر النوم حيث الرموش نديّة والأرواح غائمة ، زار طيف الحبيبة ميسون إحدى‏ الأخوات التي إستيقظت مرعوبةً لتقص على‏ الأخوات ما رأته في المنام :  
«جاءتني ميسون الليلة الماضية وهي في أحلى‏ هيئة ، حيث الجمال والحلل البيضاء الفضفاضة .. إقتربت منّي مُبتسمة كعادتها وقالت لي ؛ أُخيتي (...) لقد ارتحت كثيراً ، فأنا الآن في الجنان حيث كنتُ أَحلم وأتمنّى‏ .. ولكن البارحة ياأُختاه عندما فارقتكم وأخذوني ليزهقوا روحي ، تعذّبت كثيراً ، لقد آذوني أكثر مما كنت أتوقّع قبل أن يقتلوني !!» .  
إستغربت السجينات - اللاتي لم يسمعن بموضوع الكرسي الكهربائي بعد - من شكوى‏ هذه الفتاة الصامدة الصابرة ! لذا حاولن معرفة ما جرى‏ على‏ ميسون من خلال الرقيبة (إيمان) التي جاءت الى‏ القسم الثالث ظهراً - عند توزيع الطعام - وأخبرتهم بالحقيقة .. فكان يوم الخميس هو الآخر يوم حزنٍ وبكاء .  
 
ميسون .. لاوداع‏ 
وهكذا امتدّت يد الفرعون لتقتل حمامةً من حمائم الكاظمية الآمنة في ظِلِّ قباب أبواب الحوائج .. هكذا ودّعت بغداد قرباناً في طريق تحرير العراق من العُصابة اللاانسانيّة الجاثمة على‏ صدره .. 
وهكذا ارتحلت روح (ميسون) الى‏ الفردوس كملاكٍ طاهرٍ حلّق في سماء الحب والبراءة .. تركت الأرض لاهل الأرض وعادت الى‏ مستقرّها حيث لانَكد ولا عَناء .. 
نعم .. رحلت ميسون ، فانطوت صفحة مشرقة في سجلٍّ لا يُغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلّا أحصاها ، رحلت تشكو لبارئها قضيّة الظلم الذي أحاط بمُخدرات عراق المقدّسات والعذاب الذي طوى‏ فتيات الوطن الطاهرات .  
فتعالوا يا كُلّ شرفاء هذا العراق لنؤبِّن هذا المجد ، تعالوا نسلك درباً عبّدتهُ دماؤهم ..  
لله دَرّكِ يا ابنة العراق ، يامنهج كربلاء ، يامَن رصَّعتْ جبين العراق بثباتها وسخاء تضحياتها .. يامَن قتلوها صبراً وكفى‏ بذلك فخراً .. 
ميسون .. ياطفلةً للشمس ضاحكةً أودى‏ بثغرها الطاعون ، قتلوكِ ! دعيهم يقتلوكِ .. فجُرحُكِ قوة ، جُرحُكِ ثورة .. ونحن نتفائل بالغد من خلال جودكِ وعيونكِ .  
فيا أيتها الراحلة الى‏ حيث البقاء .. لا وداع ، فأبداً خطّكِ سيكون منهجاً ، ودوماً ذكركِ مؤنساً .. وببركة دمائكم سنعود الى‏ الوطن ، وسنزوركِ ميسون .. سنجلس عند ثراك ونلوذ تحت أقدامكِ لنشمَّ من جراحكِ عَبق الثغور ، وسننحني في رياضكِ للزمن الجليل ، ولن نبكي .. لن نبكي أوجاع الثكالى‏ والأيامى‏ ، لن نبكي العراق .. بل سنُغنّي ياميسون ، وستزفكِ بغداد عروساً للشهيد كما زفّتكِ الملائكة عروساً لحسام .. وسنغنّي لعرسك أُختاه ، سنغنّي للقمر ولطائر الشمس ..  
فيا أيُها القمر المُسجّى‏ في وادي المحبين ، لن تمحو رسمكِ السنين .. فعيوننا ترحل إليكِ كُلَّ يوم .  
وأنتم أيها المُتعبون اغترفوا من نمير هذه النجمة اللامعة ، ما يمنحكم المجد والعزّة والسُؤدد ، وتعلّموا منها كيف يعيش الإنسان لرسالته عطاءاً وفداءاً ، يعبر جدران الفرقة وأسوار التشتّت ، ليلج في فناء الهم الكبير متحدّياً صعاب الزمن وآلام المحن .  
فميسون عصفورة السلام والمحبة حملت جراح كل الرساليين المعذّبين بقلبها الصغير ورتّلت قصائد جراحِهم بشفتيها الرقيقتين ، فصارت لحناً عذباً على‏ ثغر كُل سجينة في قفص الاجرام البعثي لأنها عشقت الخلود .  
 

 
آخر أساطير الحب  
رحلت ميسون
 
أجل رحلت .. مافي ذلك من شك‏ 
رحلت وظلّت قصّتها التي قد لايُصدِّقها أحد 
قصّة حطّمت الصُمَّ الصلاب‏ 
ميسون تنتمي الى‏ جيل انقرضَ ولن يعود 
ومن حق أي إنسان ألّا يُصدِّق قصة هذه الفتاة 
عشقت النور فهوت إليه فراشةً تدور 
حول شموع العشق الإلهي ظلَّت تطوف  
وكانت الروح تسطع والجسد الآدمي يتّقد 
وأخيراً احترقت ميسون فبلغت بذلك مرحلة الفناء في ذات المحبوب  
وتلك ذروة العشق  
واستحالت ميسون في النهاية الى‏ آخر أساطير الحُب في الرُبع الأخير من  
القرن العشرين  
أجل .. ميسون وحُسام .. آخر اسطورة حب في هذا العصر المُثقل بالآثام .  
 
 
أللقاء 
لن يطول الزمان‏ 
فاللقاء الذي انتظرناه‏ 
قادمٌ من وراء الدخان‏ 
لن يطول‏ 
عرسنا قائم هناك‏ 
انني أسمع منذ الآن‏ 
شدو الاغاني  
وأرى‏ في عيون الصبايا 
الضحاك‏ 
بزوغ الأماني‏ 
* * * 
لن يطول الزمان‏ 
سيولد القمرُ بسمةً في السماء 
سماء العراق‏ 
والنجوم التي استشهدت في‏ 
المساء 
ستغدو منابت وردٍ 
وتلك الدماء 
التي قد أُريقت‏ 
ستغدو فؤوساً 
تهشّم وجه الذي قال إنّي اله‏ 
اله العراق‏ 
اله أنهاره والمياه‏ 
اله اشجارهِ والنخيل‏ 
ولكن .. 
ذات يومٍ سيكبرُ أطفالنا 
ويولد جيل القنا 
يولد جيل القنابلِ‏ 
فجراً سيخرجون من رحم الليل‏ 
يمتطون عتاقاً من الخيل‏ 
هنالك يبهتُ نمرودُ 
في بابلِ .  
* * * 
ألا فانظروا !  
انظرواها هناك  
انني ألمح الآن عروساً 
وراءَ تلال الضباب‏ 
ضباب السنين العجاف‏ 
آه .. تلك ميسون !  
وذاك .. 
العريس الحُسام‏ 
كفّيها الرقيقة تمتد 
تلف الحبيب الملاك‏ 
ألا بوركَ عرس الشهيد 
بوركَ عرس الخلود 
خلود الحياة 
وبوركَ حب تطهَّر 
من كُل شي‏ء 
بوركَ عشق الإله .  
كمال السيد  
13 - جمادى‏ الأولى‏ - 1423 ه  
قم المقدسة  
زنبق الطهر 
ميسونُ ياكُحل العيونِ وومضةً 
للفجرِ بارقةً بكلِّ سماءِ 
ميسونُ يابنت العراقِ ودَوحةً 
في روضةٍ قُدْسيّةٍ غنّاءِ 
يازنبقَ الطُّهرِ الذي مالاثَهُ‏ 
زَيغٌ ولا سَوْءٌ مِنَ الأسواءِ 
ياترجُمانَ الصدقِ في زمنٍ غدا 
الحقُّ فيه مُمزَّق الأشلاءِ 
يابنتَ دجلة والفراتِ وغادةً 
كالبدرِ بين كواكبِ الشهداءِ 
حُييتِ يارمزَ الفداءِ وقصةً 
للمجدِ تُتْلى‏ في فَمِ العُظماءِ 
ورسالةً تبقى‏ تُفَجِّرُ ثورةً 
تدعو لطمسِ علائمِ العملاءِ 
دوّى‏ هتافُكِ في السماءِ صواعقاً 
فارتاعَ كُلُّ مُكابِرٍ ومُراءِ 
واستيقظتْ هممٌ بيقظتِكِ التي  
أضحتْ حديثَ الشعرِ والشعراءِ 
طوبى‏ لروحٍ قد تَحَدَّتْ باغياً 
أدمى‏ العراق بِمُدْيَةِ الجبناءِ 
وَأَبَتْ رضوخاً للطغاةِ وَأَعْلَنَتْ‏ 
أنَّ النضال رسالةُ الشُّرَفاءِ 
* * * 
حكموا عليها أنْ تموتَ لأنَّها 
أبَتِ المسيرَ على‏ خُطى‏ الزعماءِ 
صَدَرَ القرارُ بِشَنقِها فاستهزأَتْ‏ 
بِقرارِهمْ وتبسمتْ بإباءِ 
إنّي أراها كيفَ يومَ وَداعها 
قامتْ فأَلقتْ خطبةَ البُسَلاءِ 
قالت وأزلامُ النظامِ تَحفُّها  
إنّ الشهادةَ مطمحُ الفُضَلاءِ 
هتفتْ بلا وَجَلٍ بجرأةِ زينبٍ‏ 
الموتُ للأوغادِ والحُقراءِ 
الموتُ للطاغوتِ صدامِ الذي  
ألقى‏ العراقَّ بِطَخْيةٍ عمياءِ 
ذبحَ الفضيلةَ والمكارم حاقداً  
واغتال غدراً خِيْرَةَ العُلماءِ 
الموتُ للجاني المدمَّى‏ نابُهُ‏ 
بِدَمِ الشبابِ وصفوةِ العُرفاءِ 
فاغتاظَ حَشْدُ الحاقدينَ وزمجروا 
ياوَيلكِ ما أنتِ مِنْ حَوّاءِ 
فجزاءُ مَنْ سبَّ الرئيسِ مَنِيَّةٌ 
بالكهرباء ، بِصَعْقَةٍ نَكراءِ 
* * * 
جاءوا بها مثلَ العروسِ يَزِفُّها 
خَفْقُ القلوبِ وأدمعُ السجناءِ 
وهناك قد وجدتْ «حُسامَ» خطيبَها 
فتعانَقَ القلبان بالإيماءِ 
قالتْ لَهُ بعيونها حُييتَ يا 
حُلْوَ الخصالِ وكوكبَ الكُرَماءِ 
فأجابَها بعيونِهِ حُييتِ يا 
بنتَ التُقى‏ والفكرةِ العصماءِ 
ها إنَّ أيامَ الفراقِ قدِ انتهتْ‏ 
وسنلتقي ميسونَ خَيْرَ لِقاءِ 
هذْي السماءُ تَفَتَّحتْ أبوابُها 
سَنُزَفُّ ياميسونُ للعلياءِ 
ناجَتْهُ في لُغةِ القلوبِ وعينُها 
ترنو إليه بحسرةٍ وحياءِ 
لاشكَّ إنّا ياحسامُ سنلتقي‏ 
في جنَّةٍ مُزْدانةٍ خضراءِ 
وهناكَ نحكي الذكرياتِ بلوعَةٍ 
وَنَبُثُّ ما في القلبِ مِنْ إعياءِ 
* * * 
ميسونُ ياجُرْحَ الضميرِ وطعنةً 
في قلبِ كلِّ عقيلةٍ عذراءِ 
أُختاهُ لا أنسى‏ ظليمتَكِ التي‏ 
أبكتْ عيونَ الصخرةِ الصمّاءِ 
وَضَعوكِ في كرسي العذابِ لِتُصْعَقي‏ 
في منتهى‏ الإجرامِ والايذاءِ 
وَغَدا بريقُ عيونكِ يخبو ولا 
مِنْ مُشفِقٍ في زمرةِ الغُرَماءِ 
صارَعْتِ شِحْناتِ العذابِ صبورةً 
شوقاً لرؤيةِ طلعةِ العَنْقاءِ 
هَبَطتْ إليكِ مِنَ السماءِ ملائكٌ‏ 
طارتْ بِكِ في حِلَّةٍ بيضاءِ 
زَفَّتْكِ في يوم الفداءِ لِجَنَّةٍ 
دارِ الخلودِ وموئلِ السُّعداءِ 
* * * 
ميسونُ ياجُرْحاً بقلبِ قضيةٍ 
باسمِ العراقِ الشامخِ المعطاءِ 
للّهِ دَرُّكِ من فتاةٍ لم يصلْ‏ 
لِشُموخِها ألفٌ مِنَ الصُّلَحاءِ 
للّهِ أنتِ ما أَشَدَّكِ صرخةً 
فَتَفَجَّرَتْ حِمماً على‏ الأعداءِ 
أفزعتِ دنيا الظالمينَ بوثبةٍ 
عَلَويَّةِ الأنفاسِ والأصداءِ 
لازالَ موقفُكِ الأشَمُّ مُدَوِّياً 
في عالمِ الأحرارِ والخُلَصاءِ 
يدعو الى‏ رصِّ الصفوفِ وحَشْدِها 
وتجنُّبِ النعراتِ والأهواءِ 
والإنطلاقِ لِدَكِّ صَرْحِ عصابةٍ 
منبوذةٍ همجيّةٍ رَعناءِ 
والإنتفاضِ لكسرِ طَوْقِ مَذَلَّةٍ 
عن أُمَّةٍ مظلومةٍ عزلاءِ 
والانتقامِ من العدوِ وَرَهْطِهِ‏ 
والثأرِ للآباءِ والأبناءِ 
وإزاحَةِ الباغي الذي خَنَقَ الهُدى‏ 
في ليلةٍ دَمَويَّةٍ ظلماءِ 
فالنصرُ يُصْنَعُ بالدماءِ وثورةٍ 
هدّارةٍ عملاقةٍ حمراءِ 
هيّا لتحرير العراقِ الى‏ متى‏  
يبقى‏ العراقُ مطيَّةَ الأرزاءِ ؟ 
هيّا الى‏ كسر السجونِ الى‏ متى‏ 
يبقى‏ الأشاوسُ في لظى‏ الرمضاءِ؟ 
ميسونُ قد صَنَعَتْ لنا في صبرِها 
أسنى‏ ملاحِمِ أُمّةٍ غَرّاءِ 
فالنصرُ آتٍ لامحالَ وحينها 
سندوسُ رأسَ الحيّةِ الرقطاءِ 
 
عبدالرحمن العلوي  
10 / شعبان / 1423 ه  
 

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (19 منشور)

avatar
09/02/2012 11:06:32
اتمنى ان يتم تحويل قصة شهادة البطلة الشهيدة الاخت ميسون (رحمها اللة) الى فلم سينمائي كي يطلع العالم على نماذج الفخر الخالد سليلات الحوراء زينب(عليها السلام).
شعلان حسين الزيداوي
avatar
ابن الناصرية 03/02/2012 15:42:44
هنيئا للشهداء الذين اختاروا طريق الحسين وانصار الحسين هنيئا لكم بانكم ختمتم اعماركم بخير واديتم الرسالة و بذلتم الارواح.... تلك اللحضات لن تنسى ولن يناسها الله عز وجل حتى لو نساها الناس السلام على الحسين وعلى اصحاب الحسين والذين ساروا بقافلة الحسين و لكل من تلطخت يده يدماؤكم الزاكية فان ربك لبمرصاد
avatar
ميثم الأسدي 19/10/2011 20:09:23
تم رفع التعليق لمخالفته شروط النشر في الموقع
معلومات صاحب التعليق
99.240.122.144 Canada Mississauga ON Ontario CA Rogers Cable
avatar
أم عباس الربيعي 12/10/2011 11:11:37
هنييييييييئالك الشهادة ياعروس العراق
ارتفعت روحك الى السماء ترفرف كانها الطير الذي ينفض بجناحيه وانت نفضت الآم الحزن والفراق على اهلك ومحبيك فلك ذكرى خالدة في قلوبهم فبعزتك وصبرك وباليقين نلت الشهادة نصرت عقيدتك نصرت مصيرك نصرت الشهادة هنييييييئا لك الشهادة
avatar
ادم السعداوي 18/09/2011 07:08:12
رحمك الله ياحسام كنت بطلاً شجاعاُ في محاربة الطغيان
avatar
خالد الاسدي 12/09/2011 09:41:45
بارك الله بكل من ساهم بنشر هذه القصص البطولية الممزوجة بالحب الاسلامي الشريف ومقارعة الظلم الى جنات النعيم
avatar
حبيب الرفاعي 23/05/2011 17:31:49
الدكتور نضير :- نعم ميسون لم تكن زوجته وقد احبها في الكليه وكان الشهيد المظلوم رحمه الله من المؤمني%D
avatar
حبيب الرفاعي 23/05/2011 17:25:01
الدكتور نضير :- نعم ميسون لم تكن زوجته وقد احبها في الكليه وكان الشهيد المظلوم رحمه الله من المؤمنين المتدينين الملتزمين فالقى نظام الدكتاتور القبض عليه ومجموعه معه من ضمنهم الشهيده ميسون وتم اعدامهم حالهم حال الاف الشهداء الا ان هناك قصصا امر واكثر دمويه هي في طي النسيان الا ان طيبة اهالي الرفاعي الكرام وصلت بهم ان يطلقوا اسم الشهيده الكظماويه على احد ساحات المدينه متجاهلين الاف اسماء الشهداء الابطال من ابناء المدينه الذين تصدوا لصدام وازلامه والله من وراء القصد
avatar
د. نضير الخزرجي 23/05/2011 06:18:08
أعدت قراءة القصة من جديد فقد سبقت وقرأتها قبل السقوط من على صفحات احد صحف المعارضة آنذاك
وأحببت أن أشير أن الشهيدة ميسون غازي الأسدي لم تكن زوجته كما جاء في العنوان وإنما هناك كلام بما يشبه الخطوبة، رحمهما الله وأسكنهما فسيح جناته.
avatar
عادل الركابي 15/05/2011 07:23:06
هنيألمن ذكزهذه القصه
avatar
اياد العراقي 20/04/2011 04:13:30
لم ارى اعداما على الكرسي الكهربائي في ابوغريب وكنت من سكنه القاطع لااكثر من مره وخرجت بالعفو اكثر من مره
avatar
ابو كاظم 16/01/2011 15:26:00
السلام عليكم
للاسف فأن موقعكم خان عندما تعليقي السابق بعد حذف بعض الاسماء و لم يحذف جميع الاسماء الموجودة و هذا يدل على احد امرين للاسف الاول انكم موقع طائفي او انكم تعتبرون جرائم بعض الاسماء المذكورة بالتعليق ارهاب و جرائم ضد الانسانية في حين ترفضون نشر الاسماء الاخرى و تعتبرون عملها من الدين و يقرب الى الله
أنشر اذا كنت فعلا مسلم
avatar
ابو كاظم 15/01/2011 15:08:59
فعلا الكلام الموجود صحيح
بكن ماذا تقولون عن........... و عصابات حارث الضاري و ........... .........و عصابات ............ الم تفعل اشد من هذا الذي فعلهالنظام العفلقي
هذة الشهيدة الطاهرة ذهبت الى ربها راضية مرضية و بقيت ن..................يتمتعن باموال العراق و اصبحن النساء المؤمنات المجاهدات فعلا شعب .........
رد راضي غير راضي
-1
Report as inappropriate
avatar
مواهب حميد الرفاعي 12/01/2011 19:57:18
كم كنت شهما ومن خير النبلاء
وكم كنت بطلا يوم قاتلت السفهاء
وكنت انت الشموخ وانت الاباء
فيا جنة هنيئا لك روح فارقناها ببكاء.

تحية طيبه للاخ الكاتب وجعلها الله في ميزان حسناتك .
avatar
ام زينب 12/01/2011 10:12:10
اود ان اعلم القراء بان السجانات كانو من اهالي الرفاعي ومن العوائل كما يقال معروفة
avatar
ليلى الموسوي(الكوت) 11/01/2011 09:51:12
الف تحيه لكاتب القصه وجزاك الله الف خير على هذا الجهد.وهنيئا لاهالي الرفاعي الكرام على هؤلاء الابطال.
avatar
حيدر الفيلي 11/01/2011 07:14:17
بسم الله الرحمن الرحيم منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا صدق الله العلي العظيم ان هذه السيدة التي جعلت شعارها شعار الامام الحسين عليه السلام في يوم العاشر من محرم حيث قال عليه السلام(الموت اولى من ركوب العاري والعار اولى من دخول الناري ) هيهات من الذلة اسال الله ان يرزقها فسيح جناته وان يحشرها في رحال ال محمد صلوات الله عليهم اجمعين سلاما على سيد الشهداء ورحم الله الشهيدة (ميسون) ان لله وانا اليه راجعون
رد راضي غير راضي
-1
Report as inappropriate
avatar
محمد رضا الصريفي 10/01/2011 18:14:51
بارك الله بهذه اليد اتي كتبت قصة هؤلاء الابطال وخلدت ذكراهم للاجيال .جعلها الله في ميزان حسناتك يااخي
avatar
زينب حسين 09/01/2011 18:55:59
بسم الله الرحمن الرحيم
(ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله اموات بل احياء ولكن لاتشعرون)
(ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله اموات بل احياء عند ربهم يرزقون)
المجموع: 19 | عرض: 1 - 19

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال

قيّم هذا المقال

0