تاريخ مدينة الرفاعي / عدنان عبد غركان
الحلقة التاسعة
من ذاكرة المدينة
الرائد الأول للصحافة في الناصرية( لفتة مراد )
كان المرحوم لفتة مراد عباس محمد مؤرخا وأديبا وصحفيا بارعا ولا ذعا ولد في نهاية العقد الأخير من القرن التاسع عشر في مدينة الرفاعي ... اهتم به والده مراد عباس الذي كان يومها مختارا لقصبة الكرادي (الرفاعي حاليا) ودخل في الكتاتيب حيث تعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم ولم يلتحق بالمدارس النظامية لعدم وجودها إلا انه برع في استيعاب وتنفيذ مناهج الكتاتيب ... فكان طليعةً متميزة لفئةٍ من المتعلمين في مدينة الرفاعي وفي هذه البيئة التي امتازت بمنتدياتها الأدبية ومجالسها الاجتماعية أخذ يتطلع لذرى التألق والإبداع فقد عاصر المرحوم لفتة مراد كلا من السيد عبد المهدي المنتفكي والشيخ موحان الخير الله والذي كان يمثل الأخير في كثير من المحافل الرسمية ومتابعة الشؤون الخاصة به ... لذا استقر في الناصريةعام 1937 وقد جاء إلى تلك المدينة وهو يحمل مشاريع متعددة.
تتجاوز المرحلة التي يعيشها .. بتلك الإمكانيات المتواضعة إلا انه كان غاية في الفطنة والذكاء .. عين صحفينا الرائد لفتة مراد كاتبا في قائمقامية سوق الشيوخ ثم الناصرية بعدها ترك الوظيفة وحول اهتمامه إلى الصحافة والقضاء .
فكان خبيرا قضائيا يتمتع بقدر كبير من المعرفة في القوانين والأنظمة مثلما كان صحفيا رائدا ورائعا حيث اصدر أول صحيفة أسبوعية عام 1939 واستمرت تصدر سنوات في لواء المنتفك وبذلك اضاف إلى كونه رافدا جديدا للصحافة العراقية والعربية وقد أسماها (المنتفك) التي قال عنها أستاذنا المرحوم الصحفي والأديب المحامي شاكر الغرباوي (هي من الجرائد التي يمكن أن تعتبر مرجعا في تاريخ محافظة ذي قار ). لذا اعتبر الرائد الاول للصحافة في محافظة ذي قار .
ومثلما أصدر هذه الصحيفة الرائدة والرائعة أنجب لنا ولدا أسماه قيساً وهو شاعرنا المرحوم قيس لفتة مراد الذي نشأ على نهج أبيه في احتواء مناهل الثقافة والادب والصحافة فكان شاعرا رائعا وفنانا مبدعا في مجال الرسم ....
وكلما طرقت مسامعي سيرة قيس لفتة مراد ... أتذكر تلك اللوحة الزيتية الرائعة التي احتلت مكانا متميزاً على جدران المكتبة العامة في الناصرية يوم كانت قبالة المحافظة القديمة ... فكان المرحوم لفتة مراد مدرسةً خاصة لإضاءة من حوله من خلال صحيفته المنتفك .
رحم الله لفتة مراد ورحم الله ولده قيس فكلاهما اتصف بالطيبة والنبل والجد والاستجابة لمن يطلب العون في مجال عملهما .
( الشاعر السيد مهدي الفحام)
في تاريخ الأدب الشعبي أدى ويؤدي شعراء الريف دورا متميزا في نقل عوالم خيالاتهم الخاصة ومحاكاتهم لطبيعة المجتمع القائم والذي يحيا فيه هذا الشاعراوذاك ومعايشتهم لجمهور متجانسٍ بعيدا عن جنس الفرد أو عمره أو مركزه الاجتماعي معتمدا على مفاهيم أساسية متعلقة بحياة الشاعر والإنسان الذي يعيش معه متوخيا الحشمة والأمانة من اجل أن يعطي تلك المرحلة معناها . ويستلم الجيل الذي يليه روحية تلك التجربة .... والشاعر السيد مهدي السيد احمد الفحام واحد من أولئك الرواد كان يعيش في دائرة ما تقدم .... فهو رجل على درجة عالية من الوعي عاش في منطقة ريفية غرب مدينة الرفاعي وتحديدا مقاطعة (ابوجويري صوب بني ركاب) في قرية الشيخ مزعل الحميدة منذ العشرينيات وحتى الخمسينيات من القرن الماضي والسيد مهدي الفحام صوت شعري من الاصوات التي بقيت تتناقلها الالسن من جيل الى جيل ... رجل متعلم نجفي المولد رفاعي النشأة كانت له علاقات محدودة مع من هو متعلم ، مالك للوعي ذو حس مرهف ،دقيق القول ،قوي الحجة ، لم ولا يتوانى في قول الحق ، بعيدا عن التكلف كما يصفه الاستاذ مبارك صالح آل رهك، يرفض ما هو غير طبيعي ، جدي في عمله وتعامله لم يقترب الى الاغنياء والمتنفذين كانت له علاقات ادبية مع الشيخ الحاج مانع الشاتي وكذلك مساجلات شعرية كان كريما لضيوفه رغم الفاقة والفقر التي يعيشها .. انيس في مجلسه يحاسب من معه في الاقوال والاعمال في حياته اليومية بشيء من الشدة والمزاح الحاد . كانت همته ورجاحة عقله ورهافة حسه وذكاءه سببا ليعيش مقهورا .... متألما لمعرفته في دقائق الامور لم يجد من يتعامل معه بمستواه المعرفي حيث كانت تلك الفترة التي عاشها متخلفة محدودةً الاتصال ...كما كانت له علاقات ومصاحبة مع الشاعر المعروف الحاج شندي وقد نقل بعض اشعاره التي كانت تزخر بهمومه وهموم الفقراء وتباين الحياة الاجتماعية لبى نداء ربه في اواسط الخمسينيات من القرن المنصرم . يحكى انه كان له حمار وكانت له بقرة حلوب واخذ الحمار يتجاوز على مزارع الاخرين وعلف البقرة مما دفعه الى الابتهال بالدعاء على ذلك الحمار بالموت وما ان اصبح الصباح حتى وجد البقرة قد فارقت الحياة عندها قال :
اهل النميمة بالنميمة علينه لبن
عيلات والي يعارضهن بصدره لبن
اصفط كلامي عليهم مثل صفط اللبن
ايگولون هذا كلامه ايضيج الخالج
وادعيت مجنون عدهم لابس الخالج
عزيت جليت يا معبود يا خالج
كتله اخذ الحمار رد اعله المنيحه ام لبن
كتب في الزهيري والتجليبة والمربع والدارمي وكثيرا ما كان يعبر بذلك عن شجونه واحزانه فقال :
ايا كلبي الما صحيت امن الحزن
لا بتت فرحان بس هم اتخزن
******************
ما بتت فرحان ليلة امن العمر
ولا شفت راحة بزمان الي يمر
قسمتك بطرافهن جنك وطن (التأكد من المفردات من مبارك صالح)
*******
اتوطنت للاه ما يوم ازهرت
عذبت جسمي ولجفوني اسهرت
لو يصح بدّفار حكي دافرت
لاجن اقسم موش بمغالب يمن
******
لاغلب يمنه وشكاره للسعد
لاجن الموعود ياتيه السعد
اشجم بهيمه شالته الدنيا او صعد
او جم كريم ابعوز دنيا ممتحن
ومما قاله في الغزل :
يا لذي بوجنتك حي اعلى الفلاح
ما تناشدني اعله عكلي وين راح
***
ما تناشدني رحت عني ابرفج
انت درهم والبكو كلهم سحج
لوله دمعي جان من ناري احترج
ولوله ناري جان دمعي احيه الابطاح
******************
بدمعي أو ناري اظل حاير ولك
سكمي او نوحي ابد ما ابدلك
كمت اودي يا حبيبي ازمول الك
يرعن ابكلبي او عيني الهن مراح
****************
المراح ابكلبي وابعيني السفح
او بالوصل ما حسبت عني تشح
شرد اوصفنك عني على المدح
يا غصن رابي ابغدير اعله الاسفاح
وقال في التجليبة:
اجلبنك يا ليلي او كورتك تشعل
وتظل اطلابتي لعنان السمة تفتل
يريدوني اشيلن مثل حمل البل
وهدمي امن السحل لاحن شراشيبه
وكما اسلفنا توفي في الخمسينيات حيث قتل ليلا امام داره في القرية ويرجح ان القتلة هم من اللصوص نأمل من اولاده هلال ومهدي وجليل واحفاده جمع ما تركه على الشفاه وما دون ليخلد ذلك الرجل العصامي
(النصوص التي وردت نقلاً عن الاستاذ مبارك صالح رهك)
الدكتور عبد الله الفياض
فتح عينيه في ارض يوما ماكانت تسمى جنة عاد ارض قامت عليها اقدم الحضارات السومرية والاكدية وعلى بضع كيلومترات من مسقط رأسه معالم مدينة لكش التاريخية ولد من ابوين كما يقول هوعنهم (والدان رحيمان قضيا حياتهما الغالية يعملان في الارض ليخرجا منها الخير والبركة )
ولد في قرية الضمينية من قرى قضاء الرفاعي كان توأماً للمعرفة منذ صغره وكيف لايكون ذلك فوالده من اول المتطوعين للجهاد ضد الانكليز فقد امر زوجاته بالانصراف كل واحدة منهن إلى اهلها وشد الرحال ممتشقاً سيفه وحاملاً خيمته إلى الشعبية كان والده احد اقطاب المعارضة حين دخول الانكليز للعراق ومن الموقعين على مقررات مؤتمر المصيفي ابان ثورة العشرين الذي ورد ذكره في كتابنا هذا . ولد الدكتور عبد الله دخيل طاهر موسى الفياض من اسرة علوية في عام 1919 كما تحدثنا الوثيقة المرقمة 220 في القيد رقم (2) في خزانة مدرسة الرفاعي . دخل المدرسة عام 1930 وقبل في الصف الثالث الابتدائي بعد ان جرى له اختبار كونه جاء من مكاتب تعليم الصبيان وكان متفوقاً على اقرانه فهو الاول حتى تخرجه من الصف السادس الابتدائي ثم واصل دراسته في متوسطة النجف حيث لم تكن في مدينة الرفاعي متوسطة في ذلك الوقت واكمل دراسته الثانوية وتخرج في دار المعلمين العالية ببغداد حاصلاً على ليسانس شرف بالعلوم الاجتماعية علم 1943/1944 وعين مدرساً للعلوم الاجتماعية بثانوية الناصرية الا ان تطلعه لمواصلة الدراسة والبحث دفعته لان ينتقل إلى بغداد حيث حصل على ليسانس حقوق عام 1950 وخلال هذه المدة كان مدرساً في متوسطة الغربية وخلالها حصل على الماجستير تاريخ عام 1954 من الجامعة الامريكية في بيروت ، عاد الى العراق وعين مدرساً بدار المعلمين العالية عام 1954 واستمر في تدريس مادة التاريخ الاسلامي حتى عام 1956 حيث التحق بالبعثة العلمية في كندا والولايات المتحدة الامريكية وحصل على ماجستير بمادة دراسات الشرق الاولى في جامعة مشغن وعاد إلى العراق فعين مدرساً لمادة التاريخ الاسلامي ثم حصل على اجازة دراسية بتاريخ 28/6/1964 وحصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ الاسلامي عام 1966 وله اكثر من (17) مؤلفا واكثر من (16) دراسة ومن ابرز مؤلفاته الثورة العراقية عام 1920 ومشكلة الاراضي في لواء المنتفك والبرامكة وغيرها . ومن اول مؤلفاته يوم كان مدرساً (تاريخ البرامكه ) ومما يميز الدكتور الفياض في طريقه بحثه انه يعتمد على عدد كبير من المصادر فتراه في( تاريخ البرامكه ) اعتمد على (96) مصدراً باللغة العربية و (14)مصدرا من المصادر الاجنبية كما ساهم في وضع مناهج التاريخ للدراسة المتوسطة .
يقول عنه الاستاذاً محمد هادي الاميني في معجم رجال الفكر (من اسرة التعليم – كان قدير –ومؤرخا جليلا واستاذ في كلية التربية ومؤلفاً مكثراً)
كما تحدث عنه المرحوم روفائيل في جريدة البلاد بتاريخ 9/4/1956 (احد نوابغ المنتفك ) وآخر كتاب كان له الشيعة الامامية واسلافهم وقد كتب له مقدمةً الشهيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر (قدس) قبل استشهاده وكانت المقدمة تعد كتاباً بذاته .
عبد الله الفياض المدرس في دار المعلمين العالية لبى نداء ربه رحمه الله يوم 11/8/1985 بعد ان اثرى المكتبة العراقية والعربية بما جاد به قلمه في التوثيق والتحليل والاستنتاج .




إكتب تعليق