|
إن ما شهدته المجتمعات الأوربية قبل خمسة قرون لم تشهده بعد مجتمعاتنا الإسلامية.. إن الخروج عن تقاليد الهرطقة، ولد منذ العام 1517 عندما برز في
الكنيسة نفسها احد الكهان واسمه مارتن لوثر ليصنع قطيعة تاريخية ليس مع الدين، بل مع أولئك الذين احتكروا الربوبية وتحكموا بالسلطة من خلالها.. فانتصر عليهم! لقد تحدّى مارتن لوثر الكرادلة والكهنوت وعصمة البابا القابع في روما.. قائلا: " وحده كلام الله هو المعصوم ".. هنا فتح الرجل أولى مغاليق أبواب العصور الوسطى للخروج إلى زمن جديد انطلقت فيه كل الفلسفات، وثارت فيه خضمه كل الثورات والانتفاضات، وتراكمت على امتداد التاريخ الحديث كل الأفكار، وتوالت على امتداد خمسة قرون كل مراحل تكوين الحضارة البشرية الحديثة بدءا بالاستكشافات الجغرافية وانتقالا إلى الإصلاحات الدينية في القرن 16، ومرورا بالثورة الماركنتالية (= التجارة العالمية) في القرن 17، وإحياء للأفكار وإبداع الفلسفات فسمي الزمن بعصر الأنوار في القرن 18، ووصولا بالثورة الصناعية والاستعمار في القرن 19، وانتهاء بالثورة التكنولوجية وعصر القوة في القرن 20، وقفلتها بثورة المعلومات والمعرفة في القرن 21. هذه المراحل كلها لم تمر بها مجتمعاتنا الإسلامية، بل عاشت تناقضاتها، ولم تزل لا تعرف أي طريق تسلك وهي تشهد ردود فعل ما تلقيه عليها منتجات هذا العصر، وهي متشبثة، ولم تزل بهرطقاتها، ولم تزل تخشع من كهنوتها.. ولم تزل تتحكم فيها سلطات ترهبها باسم الدين يقوم عليها رجال دين لا علاقة لهم بأي دين! مارتن لوثر لم يكن ثوريا ولا فوضويا على عكس توماس مونتزير الذي أشعل حرب الفلاحين في ألمانيا باسم ثورة الشعب والجياع، فخالفه لوثر، فكانت مجزرة قطع فيها رأس مونتزير والآلاف المؤلفة معه! معنى ذلك أن المجتمعات مهما بلغ بها العصف في الحياة، فهي لا تريد أن تنفصل عن واقعها مباشرة، بل ينبغي أن يأخذ التغيير زمنا حتى يفكّر البشر بما هو في صالحه ولما هو في طالحه، ودوما ما يختار الأصلح.. إن المجتمع الإيراني اليوم وبعد ثلاثين سنة من ارتدائه سياسيا العباءة الدينية، يطمح لا لتبديل دينه، بل لنزع تلك العباءة من فوقه، كي يهبط شيئا فشيئا نحو الواقع بعد تجربة تاريخية ساخنة ومريرة.. فهناك من يراها فاشلة، كونه يريد الخروج من مغاليق العصور الوسطى، وهناك من لم يزل يراها منتصرة، كونه لا يدري أن العصر الحديث لا يتلاءم أبدا مع بقايا العصور الوسطى
|