هيثم محسن الجاسم


سارت باتجاه مركز الانتخاب سالكة طريقا موحلة، لم تذق طعم الإسفلت والهواء
عبق برائحة التراب الصلصال . وقفت في الطابور المخصص للنسوة خلف امرأة
كبيرة السن تتنفس بصعوبة. تتلوى كمصاب بمغص معوي تجلس أحيانا ثم تعود لتقف
منحنية الظهر. كانت صامتة في حشد يلغط كثيرا . قالت أحداهن: الشمعة أوفر حظا
قالت اخرى : الشمس
وهكذا استمر اللغط حتى بدا الرتل ينقص من مقدمته المواربة للباب الحديدية
التي يحرسها أفراد الشرطة .
تسللت يد ناعمة لامرأة خلف الباب تحت عباءتي تبحث عن أشياء غير موجودة .
ثم إشارة للتالية إن تتقدم فواصل السير بين الأشرطة إلى داخل المبنى المخصص
للاقتراع . كان أكثر الناخبين من أبناء المحلة ، عرفت بعضهم لأنهم من نفس
الزقاق الذي اسكن فيه .
طوال الأيام الماضية التي سبقت يوم الانتخابات كانت الكتل السياسية تبث
الدعاية بمختلف وسائل الإعلام. كانت الشمعة أكثر شعبية لدى الناس في المحلة
. يعتقدون إن رجال الدين عندما يتسنمون مناصب حكومية سيكونون أكثر عدلا من
الآخرين .
( كنت حتى يوم الانتخاب لا ادري لمن أصوت كانت الأمور ملتبسة ومتداخلة
ويصعب تمييزها بسهولة كل المرشحين يتكلمون بكلام له نغمة واحدة لايمكن تميز
بعضها عن بعض وتسالت في ببساطة الجهلاء : لماذا هم متفرقون في لوائح إذا
كان الهدف واحد ،  وشعرت إن لافرق بين جميع المرشحين )
وقفت أمام صندوق الاقتراع ، أصابعي ترتجف وهي تمسك القلم وعقلي كالورقة
البيضاء لاشىء مدون فيه )
صاح مدير المحطة بصوت هادئ : هل أقدم لك مساعدة ؟
اومات برأسها بارتباك واضح ، وانزوت داخل أجنحة المكان المخصص للكتابة
استحياءا ،ضغط رأس القلم  على أي مربع لاتتذكره لحد ألان  !
طوت ورقة الاقتراع ودستها في شق الصندوق ثم هرولت مسرعة إلى خارج المحطة
وسلكت طريق أخر مخصص للخروع محدد بأشرطة لامعة .
كانت أعداد الناخبين في تزايد خاصة والوقت يقترب من الضحى ، شعرت كان
الناس تنظر لها ، شعرت بدقات قلبها تحاول إن تنزع أضلاعها من صدرها . لفت
العباءة بإحكام حولها وأسرعت مبتعدة عن الحشد . و أقدامها  تصدر صوتا لزجا
مقطوعا .
- لماذا لم تنتظريني لأرافقك إلى المركز ؟
- خفت إن تتأخر بينما الناس يعودون إلى منازلهم .
- انأ سأذهب بعد الظهر . عندما يخف الزحام .
- كنت خائفة وحدي ، لاادري ماذا افعل ، هذه المرة الأولى .
- وإنا كذلك ، هكذا هي الديمقراطية ممارسة وأسلوب .

شعرت بنشوة طافحة طوال النهار . كانت تخاف كثيرا عندما تسمع بذكر الحكومة
. انها شر عندما تحضر إلى الحي ،
فهي إما لاعتقال الناس أو إنذارهم بقطع الكمية الغذائية إذا لم يحضروا
أمام مقار الحزب للتظاهر تأيدا للدكتاتور .
تتذكر أخر مرة حضر أفراد الأمن يرافقهم عدد أخر من الحزبين ببزاتهم
الزيتوني لاعتقال أخوها نعمان ،
كانت صغيرة السن وصادف وجودها قرب الباب عندما اقتحموا الدار فرفسها احدهم
برجلة ضاربا بها في الجدار المحاذي للباب ، ظلت تصرخ وسط لامبالاة افراد
النظام . وعندما فزع نعمان من داخل الدار استجابة لصراخها المفزع وقبل إن
تصل كفيه أليها التقطته أيدي أزلام الدكتاتور وسحلته إلى خارج الدار ثم
القته في حوض السيارة يحيطونه من كل الأنحاء . ولم تراه إلى يومها هذا .
منذ ذلك الوقت وهي تصمت كثيرا بالكاد تتكلم وتخاف الناس وهم حشود متجمهرة
.
كانت تتأمل إصبعها المغموس بالحناء عندما سألتها : من انتخبت ؟
-        لاادري
ضحكت منها وتسالت : كيف لاتدرين ؟
-        مادام سقط صدام .. لافرق عندي .
وجدت إن إجابتها معقولة . مادام انتهى نظام البعث  . إذن أي شىء أفضل منه
.
كنت اردد على مسامعها شكواي من انقطاع الكهرباء وسوء الخدمات وأخبار
العمليات الإرهابية التي تقتل الأبرياء ،
كانت تتألم لسماع ذلك وأحيانا تبكي عندما تشاهد صور الضحايا مقطعة الأشلاء
على الأرض محترقة .
بين الحين والأخر يزورنا أخ لها يصغرها بالسن . ويطلب منى أن أساعده في
التطوع بالحرس الوطني لمقاتلة الإرهابيين ، رغم عدم تشجيعي له لأنه الوحيد
لأهله بعد إعدام اخوه نعمان وأخاف إن يقتل وأكون السبب .
حدث إن عرض أمامي تدوين أسماء شباب من ذوي السمعة الطيبة للتطوع في فوج
الطوارئ المزمع تشكيلة في المحافظة . كتبت اسمه مع الآخرين ليعرض في قرعة
الاختيار . قلت عندها : هو وحظه .
مر  زمن على تطوعه وخاض غمار دورة تدريبية في الأردن ليكون احد أفراد
القوة القتالية المنظمة في فوج الطوارئ .
كانت تفرح  كثيرا عندما يتصل بالموبايل ليطمئن أهله ويعدهم باقتراب موعد
التخرج .
وظل يتردد على أخته لقرب مكان الفوج من حينا ، وأحيانا يبيت عندنا عندما
يتعسر عليه الذهاب إلى أهله .
تتسلى بوجود أخيها حتى أنها تتكلم بطلاقة معه عن ذكريات قضوها في كنف
العائلة . وتعلقت به إلى حد كبير
في صبيحة احد الأيام دوى انفجار كنا نجهل وجهته وسمعنا إطلاق نار ثم دوت
صفارات إنذار سيارات الشرطة التي تمر مسرعة في الشارع العام باتجاه الضاحية
الشمالية من المدينة .
ولم يمر وقت طويل حتى انتشر الخبر ( انفجار سيارة مفخخة في مقر فوج
الطوارئ ومقتل وجرح عددا من الجنود ) خرجت عن صمتها المعهود لتولول وتنتحب
وتدفعني للذهاب لمعرفة صحة الخبر واتاكد من سلامة أخوها .
حاولت أن اجعلها هادئة كي اذهب لمعرفة الأمر .
كنت مترددا بالعودة إلى البيت ، احدث نفسي عن كيفية اطلاعها على فحوى
الخبر ، هل أقول لها أن جعفر انتشلوه من بين الأنقاض أم أقول جمعوا اشلاءه
المتناثرة من شدة الانفجار !!!!)
لقد سقط جعفر صريعا في ساحة العرض أثناء التدريب حينما تسلل الانتحاري من
طريق جانبية مجتازا الموانع ليفجر سيارته وسط جمع الجنود .  
قبل إن تطأ قدمي الأرض انفرجت شقة الباب والسؤال المحترق بأنفاسها الحرى،
تطوى كالدخان المنبعث من  احتراق سيكارة . ارتبكت قليلا ، خفت . فافتضح
أمري . لقد قرأت الجواب فصرحت صرخة دوت في الهواء لتنتشلني من مكاني . هرولت
نحوها مسرعا لاادري ماذا أقول أو افعل .أخذتها بين ذراعيه إلى داخل الدار
محاولا تهدئتها والتخفيف من وقع الأمر عليها . فات الأوان على الكذبة
البيضاء ، لااعرف أن اكذب أو أراوغ ، وشعرت بألم حاد من ضمير يؤنبني لان كنت
السبب بتطوعه في صفوف الحرس الوطني .
منذ ذلك الحين وانأ انظر لها بحرقة وأسف عندما تهيم في الدار ضائعة مثل
طائر تاه عن عشه .
طائر تاه عن عشه قصة قصيرة بقلم هثيم محسن الجاسم