
| تمرد على كل شيء، حتى على نفســـه و استبدل قهقهات ضحكته الصاخبة التي كثيرا ما كان يطلقها بسخاء في وجوه اصدقائه او زملائه هنا او هناك خلال السنوات التي جمعتني اليه، إلى ما يشبه البكم .. ساقتني رغبة جامحة من الحنين لأيامه الخوالي، لكنها لم تكن لتخلو من بعض الفضول كذلك، عند كل مرة التقيه مصادفة في أي مكان من المدينة. . اما هو فقد بدا لا يأبه باحد من معارفه السابقين حتى لمن كانوا اكثر قربا مني له . ومع ذلك فقد احسست دائما بحالة من الحب الذي يوثقني اليه كلما لاح شبحه في مكان ما من عالم صار يسحق الكثيرين من الذين عرفتهم من قبل . ــ سالم أشلونك ؟ همست في آذنه ذات مرة حين التقيته عند سوق الجمعة.. توقف فجأة وهو يرمقني بنظرة حملت من معاني الذهول والاحتجاج ما جعلني اشعر بالتطفل عليه، وجاء رده متضايقا حين تمتم بشيء من التعالي: * هله.. هله.. ليوجز حديثا وددت له لو يطول لمعرفة المزيد عن احواله . لم يمض وقت طويل على مصادفتي الاخيرة له عند سوق الجمعة ، حين وجدته مرة اخرى وقد افترش ارضا عند احدى الشوارع المكتظة بالمارة، ليبيع ثلة من خليط حاجات ما عادت تغني احدا في شيء ، من اقفال وعدد قديمة او اوان صدئة وبعض اقلام عاطلة جف حبرها وعوينات واربطة عنق عفى عليها الزمن . اقتربت من بضاعته المعروضة وبدأت أتفحص تلك الحاجات، متظاهرا بالرغبة في اقتنائها كأنها صيد ثمين لزبون مثلي. سألته عن احدى الحاجات المعروضة: ــ كم سعر هذا القوري ؟ اجاب بجدية وكأنه يعرض تحفة نادرة لا تصل إلى يد مستهلك الا بعد عناء ، قائلا : * بالف وخمسمائة دينار . واردف مضيفا: * صدق انه ليس سعره الحقيقي، فهو من حاجات (اورزدي باك ) ايام زمان ،حاجة اصلية غير موجودة اليوم . لا ادري لماذا تملكتني رغبة في شراء جميع حاجاته البائسة تلك ، والتي لا اظن ان عاقلا يستطيع شراء أيّ منها مهما كان ثمنها . اللهم الا لاسباب غامضة كتلك التي دفعتني لشراء ما يمكن شراءه منها . وحين دفعت الثمن المطلوب. بدأت محاولا جره إلى حديث يفضي إلى غاياتي، لكنه اظهر تمنعا وعدم اكتراث بيّ مجددا ، وكأنه ارتكب خطأ ما كان ليكون ولو باع جميع بضاعته تلك ولهذا فانه تراجع ليكشف وجها اخر تتلبسه كآبة طاغية ليسدل ستارا على حديث، لا يريد له ان يطول فاضطرني لمغادرة دون وداع او لقاء جديد .. * * * توقفت حافلة الخط التي اقلتني إلى المنزل، في يوم شديد الحرارة عند احدى الساحات التي تحولت إلى ما يشبه بانوراما كئيبة سوداء دائما مذ بدأت تغص باسماء ضحايا حروب ومجاعات وامراض شتى ، لسنين استفرقت جل اعمارنا ، وانا اقرأ لافتة كتب فيها : (( بمزيد من الأسى ولأسف تنعى نقابة المعلمبن فقيدها الاستاذ الجليل سالم جواد الربيعي الذي وافاه الأجل بعد صراع طويل مع الجوع والمرض العضال.. وتقام الفاتحة على روحه الطاهرة في سكناه في مدرسة المنتصرين الابتدائية للبنين ـ الحي العسكري مقابل مقبرة الاطفال .. انا لله وانا اليه راجعون..)). عند ذاك فقط ادركت سر انتحار قهقهات ضحكته الصاخبة بعد مضي السنوات التي جمعتني اليه عند بداية السبعينات من القرن الماضي.. |
| لافتـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة... قصة قصيرة بقلم ستار نوري العبودي |