ريحُ جنوبية من بلادي هبت في لندن

عند المساء اتسكع في الطرقات أنظر في شوارع لندن المزدحمة بالمركبات
والمليئة بالناس ، فأصل الى حانة من الحانات ، أدخل الى الحانة انظر لها أجدها
مليئة بالشباب والشابات ، في الحقيقة مذ رأيتها لاول وهلة وجدتها صورة
رائعة لاننا نفتقد مثل هذه الصور في بلادنا ، ابحث عن طاولة في نهاية الحانة
لأجلس عليها وحدي يتجه نحو عامل الحانة ليسألني عما أشرب ، كانت لغتي
الانكليزية ضعيفة عندها الا بعض الكلمات النادرة ، لكني عندما دخلت لم أرى سوى
المشروبات الروحية فقلت له أريد كوباً من الماء،قال وبعد ، قلت فقط، أراقب
جميع من يجلس على تلك الطاولات ، الشباب والشابات جميعهم هائمون بحالة
شديدة من السُكر ، فتذكرت مقهى أبو جواد ذاك الرجل الكبير الذي كنا نذهب كل
اسبوع الى السوق لنتسوق كل حاجيات البيت بسبب بعد المسافة بين قريتنا
النائية ومركز المدينة اي اننا بعد شراء كل حاجياتنا نجلس في ذلك المقهى ، الذي
كان متصدع الجدران وكانت تعانقه الرطوبة ابتداءً من الارض الى نصف المتر
وكان مسقوفاً بالخشب ولكن كان هذا المقهى جميل عندي وعامر بأهله ، في زاوية
يجلس ابو جاسم مع ابو شكرية ويجلس سمير مع صحبه ، ذاك الرجل الذي!
أحببت أخته سميرة حباً جماً ويجلس الكثيرون يتبادلون الحديث عن الزراعة
وعن المحاصيل الزراعية ، لاأعتقد كانت لدينا هموم في ذلك الوقت ، لكني
أحسست بسقوط شيئاً على ظهري ، التفت واذا به رجل اثقل السُكر به ، حتى اصبح
خاوي القدمين ، ابقى لساعاتٍ متأخرة من الليل لانفس عن غربتي ، ثم اخرج من
الحانة ليبقى خلفي اولئك الشباب المترهل خلقياً لأصل الى شقتي المتواضعة
لتبدأ في الصباح معاناتي التي تُقطعُ اوصالي وهي البحث عن عمل ، في الصباح
أجلس لأقراء بعض الادعية التي علمني إيّها جدي ، وتواصل رجلايّ قطع
الكيلومترات ، وبعد مشقة وعناء والحمد لله لا أجد أي شركة من الشركات تريد حتى
عاملا بسيطاً ، عندها أجلس على قارعة الطريق لأريح رجلايّ من تعب نصف نهار
سيراً على الاقدام ، وعند الرجوع اسلك طريقا آخر لعليّ أجد متجراً أو أيّ
شيء آخر ، وفي أحد الازقة الضيقة وجدت محلاً لتصليح السيارات فتقدمت نحوهم
ووجهت لهم سؤالي الذي اصبح محفوظة لدي ، فقالوا نعم نحن بحاجة الى عامل
للعدة الحديدية ولتقديم البراغي ولكن المبلغ المدفوع كان زهيد ، لكنني قبلت
بذلك وباشرت بعملي ابتداءً من اليوم الثاني لاستلامي الوظيفة ، وباس!
تمراري معهم بالوظيفة حاولوا ان يعرفوا مني قسماً من همومي الا انهم لم ي
حصلوا مني على شيء ، لانهم ليسوا من ابناء جلدتي لايعرفون ما يدور في بلدي
المدمىّ فبقيت معهم سنتين على هذه الحالة احبوني كثيرا وقاموا بزيادة
اجرتي التي كانت تسد رمقي لاغير ، أمسك بالعدة الحديدية في يدي لاقدمها
لاستاذي جال في خاطري كيف كنت أمسك بهذه اليد معولي لأحرث أرضي، فكنت أمسك
بمعولي لأحرث أرضي كما يمسك طه حسين بقلمه ليكتب ، وكنت اتغزل بمعولي وحبيبتي
سميرة كما يتغزل نزار قباني في قصائده الشعرية ، تلك البساتين الجميلة ،
والانهار الرائعة ، والخضرة ، وقطعان المواشي والابقار، وعند الظهيرة ، ارجع
للمنزل الذي لم يكن سوى منزلاً بسيطاً من الطين والمسقف بالاخشاب ، اجد في
إحدى الغرف جدتي وجدي ، وفي تلك أمي وأبي ، وأخوتي وأخواتي في المنزل كانت
رحبة المنزل واسعة شيئاً ما وفي المساء أنظر الى السماء أراها مزينة
بالنجوم ، لا أسمع سوى نباح الكلاب ، وعند بزوغ الفجر أصحوا على سمفونية صياح
الديكة ، يناديني استاذي لاعطائه العدة وهو مستلقي تحت السيارة لتتشظا مني
هذه المقطوعة الجميلة التي رحلت بي الى آفاق أهلي وأحبتي ، وعند انتهاء
عملي أذهب الى شقتي ، وفي المساء الاضواء تخيم على نجوم السماء لات!
رى النجوم الجميلة ولكنك ترى مدينة الاضواء ، اذهب الى حانتي التي
أعتبرها المقهى المفضل لدي يأتيني العامل الذي كان في بادء الامر لايستطيع
الكلام معي لانني لا أدرك الانكليزية تماما الا انني وبعد مرور الخمس سنين وجدة
ان العامل قد تغيرت معاملته لي لانه يعلم مشروبي الخاص هو الماء البارد
وتلك الطاولة التي لم يجلس عليها احد ولكن هذه المرة على غير عادته أصبح سعر
الماء أغلى من أي مشروب يباع في هذه الحانة بالنسبة لديّ ، فأحسست اني
أثقلت عليهم لانني الوحيد الذي لا أتخم بالسُكر مثلهم، فجأة دخل شخص من باب
الحانة نحيف الجسم أصفر الوجه ذو لحيةٍ كثيفة ، يبدو انه غريب ينظر بعينين
ثاقبتين الى كل الجالسين ، فشعرت عندهات بنفس النظرات التي كنت ارمقها عند
أول مرة فأشرت له بيدي فجاء نحو جلس على كرسي في الطاولة التي كنت أجلس
عليها فتكلمت معه بالانكليزية فأومئ برأسه وهز يده بأنه لايعرف الانكليزية
فتكلمت معه بالعربية فتشظا فرحاً لاني أول من يكلمه بلغته انظر في تقاسيم
وجهه أراه يحمل هموماً كبيرة ترتسم عليها معاناة السنين ، ولكن الوجه ليس
غريباً عليّ يبدو اني اعرفه ، لكن يبدو ان المعاناة حولت ذاك الوجه!
الى وجهٍ شاحب فسألته من أي بلد أنت ياأخي ،فقال من العراق، عندها عرفته
....أنه حسن ابن قريتي الجميلة فقلت له ألست أنت حسن فأذهل من كلامي
...وأنت من مدينة الناصرية فقال لي من أين عرفت ذلك ،فأحسست من خلال ذلك انه
قد شعر بالخوف مني فقلت له لاتخف فأنا جمال ، الذي ترك القرية قبل ما يقارب
الخمس سنين، عندها وقف على رجليه وأحتظنني مما أثار انتباه جميع الجالسين
، وصاح صيحة أفاقت كل السُكارى ، فقلت له هدأ من روعك ياحسن وعلى ما يبدو
لي اني ايقظت فيه جرحاً عميقاً وبدأت تتساقط دموعهُ على خديه ، يبدو أن
دموعه هذه قد أظهرت حلول تلك الكلمات المتقاطعة التي يحملها وجهه، قلت له ما
الخبر اراك تحمل معاناة كبيرة ، فقال لم يبقَ من قريتنا الجميلة الا أنا
وانت يا جمال ، فبدأ يروي لي قصة مروعة جداً ، لما فعله النظام الصدامي عند
زحفه على قريتنا فقال حسن بينما كنت خارج القرية لاصطياد بعض السمك في
الانهار البعيدة والمتوارية خلف القرية لاحظت هجوما عنيفاً قد طوق القرية من
كل صوب ،القصف،والضرب بالرصاص، استمر الى منتصف الليل، وعند الصباح رأيتهم
قد توغلوا في القرية ، عند الظهيرة أنسحبت القوات من القرية فخيم عليها
صمت متقع ، وعند مغيب الشمس تسللت الى قريتي التي لم تعد قريتي بل !
كانت مقبرة لأهلي ، لم ينجو منهم لا أمراة ولاشيخ ولا طفل ولارجل ولو كنت
معهم لما نجوت منهم لم تنجو منهم حتى البساتين والزرع ، أهلكوا الحرث
والنسل.
ما ان اتم صديقي الرواية لي حتى فكرت بأن لا أعود الى بلد الاشباح وسأبحث
عن قرية في لندن لاتحرث بالمعول ولكن بالجرافات وسأبحث عن مقهى كمقهى ابو
جواد ولكن تباع فيه الخمرة والمسُكرات وسأبحث عن حبيبةٍ ليست كسميرة تلبس
العباءة والشال حبيبة اسمها اليزابث ترتدي البنطال والقمصان
قصة قصيرة للكاتب هيثم جبار الشويلي