في ظل الندوات الثقافية والسياسية في العالم والعراق يقف أبناء مدينة الرفاعي مواقف مشرفة تثبت للعالم أن هذه المدينة
ليست قاصرة على إنتاج المفكرين والسياسيين ليسجلوا أرقاما مهمة في سجلات الثقافة العصرية .        
ففي ضوء الجلسات المنعقدة لندوة التحولات المجتمعية وجدلية الثقافة والقيم المقامة مؤخرا في الدوحة كان لأبناء مدينة
الرفاعي الثقل الأكبر في طرح رؤى تحضى بتقدير المفكرين العرب والأجانب كافة.

..حيث كان من مضامين ورؤى الندوة هو التقريب بين الثقافات بكافة عناوينها ومعتقداتها وصياغة منهجا موحدا أو متقاربا
في الأفكار فيما بين تلك الثقافات والقيم . وهذا في حد ذاته طموح مرموق وهدف منشود ومقدس للكثير من المثقفين
والباحثين المعتدلين . وهو كائن من نتاج الخلافات والضغوط الكبيرة من بعض المتشددين في الأفكار من الإسلاميين وبعض
ممن ارتبطت ثقافته وفكره بالأطماع والمكاسب المصلحية على حساب الأمة الإنسانية . وما آلت إليه هذه الأمور من تشتت
سياسي – ثقافي - ديني أصاب الأمة العربية بالدرجة الأولى قبل غيرها .
ولكن الجدير بالذكر هنا هو أن السعي في هذا التقارب في الرؤى والثقافات يواجه صعوبات كبيرة  . إذ تقع من أبرزها هو
تعارض بعض الثقافات والقيم مع المبادئ الأساسية للإسلام (سياسة وتشريعا) والتي لاتقبل التغافل أو التنازل عنها , وبذلك
نكون أمام خيارين إما التنازل عن مبادئ الإسلام المُختلف عليها وبذلك نكسب الطرف الآخر ! أو التمسك بالأول وخسران
الثاني . إذ أن الموازنة بين الأمرين تعد في غاية الصعوبة أو إنها غير ممكنة ألبته .

تلك المداخلة هي مقدمة ورقتي التي كانت بعنوان(جدلية الثقافة والقيم .. والموقف الإسلامي والسياسي) طـَرَحتـُها على
رئاسة الجلسة  . والباحثين المشاركين والذين قَـَدِموا إلى الندوة من مختلف أنحاء العالم وكان ممثل العراق فيها الأستاذ
والباحث الدكتور عبد الجبار الرفاعي (من مدينة الرفاعي وحاليا مستشار في رئاسة الجمهورية والذي شارك أيضا بطرح
ورقته التي اعتمدت الأفكار المتفتحة التي تحترم الرؤى المختلفة والتي تنهض بالواقع الثقـــافي في عصرنا هذا )ونقلت
هذه الندوة على قناة الجزيرة مباشر . حيث افتتحت رئيسة الجلسة الندوة بمقولة (أن حرام محمد حرام إلى يوم القيامة
وحلاله حلال إلى يوم القيامة) . إذ كان أساس مداخلتي هي هذه المقولة والتي تعد محط اختلاف  المسلمين فيما بينهم فضلا
عن غيرهم معهم . إضافة إلى ذلك أن الواقع السياسي الضاغط والذي تفرضه المصلحة الإقليمية والدولية وحب الكرسي ! له
اليد الطولى والتاثيرالكبير في تغيير الثقافات والدَوس على القيم وإخضاع المجتمعات الشيء الذي يصنع مجتمعا آخراً وثقافات
وقيم تتناسب ايجابيا مع المصالح السياسية أو الإسلامية المتشددة والتي صِيغت بالشكل الذي يخدم المصالح الخاصة أو يهيئ
لإقامة الإمبراطورية الوهمية التي يحاول البعض الوصول إليها .

وكانت رؤى وأفكار الباحثة د. جهينة العيسى والتي كانت من ابرز من حضر الندوة مطابقة لما قلت وأكدت مابينته بورقتي
من واقع ثقافي نمر به ,حيث أبدت الدكتورة الرأي  بتقسيمها للمجتمعات مابين مجتمع يسمح ومجتمع يتسامح والآخر الذي
لايسمح , فكيف بنا في ضوء ذلك أن نوفق مابين كل هذه المجتمعات الثلاث وخاصة أن الأخير-الذي لايسمح- هو العقبة
التي لايمكن تجاوزها ولايمكن إخضاعها بأي اسلوب من الأساليب الثقافية , والذي يعد بدروه تيارا جارفا  ومهددا لكل
الثقافات التي تعتمد في أساسياتها على الود والرحمة واحترام حقوق الإنسان .

ومن هنا يتضح لنا جزء من فحوى وتبرير المنطق الإسلامي في الحروب , بعدما تنفد كل الطرق السلمية في محاولة إقناع
الآخر لجعله يحترم الإنسانية ويسير ضمن الركب المسالم في الحياة .

وهذه قطعا ليست دعوة لإقامة الحروب(والعياذ بالله) بل هي تحمل في طياتها تعبيرا عن واقع ملموس ونتيجة لايمكن التهرب
منها . فبقدر ماتكون الثقافات والمجتمعات مرتبطة بالمصالح السياسية اوالدينية المتشددة التي تبتعد عن المفهوم الإنساني
الصحيح كانت هنالك الصعوبة كامنة في أقلمتها ضمن منهج واحد , أو على الأقل ضمن مناهج تحترم بعضها رؤى البعض
الآخر وتقر له بالوجود .

لذلك علينا أن نراجع ثقافات المتسلطين قبل ثقافات المُسلط عليهم .  لما للمُتسلِط من دور في كتم الصوت الحر وتدمير
الأفكار التي تتقاطع مع مصالحه الشخصية .
ابناء الرفاعي الاثقل ثقافيا في الدوحه... حيدر حميد الرفاعي