
| تنفس الحب من كنف الطبيعة وظل حالما بين سطورها الحبلى بالأزهار و الأشجار .. كان دائم الشوق، للحظة انس تنساب فيها المياه الغادقة بين أخاديد الأرض والعشب، تلك اللحظات هي التي شكلت عالمه الداخلي بنشوة طفولية صفق لها قلبه الحالم بالجمال والسحر الإلهي الذي نشر ظله في الأرض . هكذا كانت عوالـم فـيصل العارف منذ طفولته، فقد فضّل في أيام دراسته المبكرة الذهاب إلى مدرسة ريفية تبعد عن منزله آلاف الأمتار، سافر لها مشيا على الأقدام،جيئة ورواح، لأنها زحفت بين حقول امتدت خضرتها طويلا وتشعبت بين ظهارينها الجداول التي طرزتها حقول على امتداد الطريق الواصلة إلى تلك المدرسة الريفية ، فـضلّهـا على مـدرسة أخرى قريبة لأنها تقع في قلب الضجيج على الطريق العام المؤدية إلى أحدى المدن الكبرى ، تلـك المدن التـي طالما شعر بالاشمئزاز والقرف منها ، ولهذا فانه كثيرا ما رفض الذهاب لها إلا مكرها ، أما لتطبب أو لشراء بعض الحاجيات التي لا يمكن الحصول عليها في قريته.. اختلف كثيرا عن أقرانه الصغار في رؤيته للمدن الكبيرة فبينما كان معظم صغار القرى ، يشعرون بالمتعـة وهم يتجولون بين شوارع المدن الواسعـة وأبنيتها المتـزاحمـة وأسواقها المكتضة، ظل فيصل عميق الارتباط بالخضرة المفتوحة على الأفق المتناهي والمياه المتراقصة في الأنهار الجذلة .. تقـدمت به العمر واجتاز أعتاب الدراسـة الثانوية ،ثم دخـل كلية الحقوق التي تقع في قلب أحدى المدن الكبيرة الصاخبة ، لكنه لم يتألف معها بيسر رغم اضطراره للبقاء فيها عدة سنوات .. وأمست سلوته في صداقات يعقدها مع رجال من أمثاله الحالمين بالطبيعة المفتوحة والبساطة في كل شيء. ومع انه بقي متطلعا للدراسة والتفوق، لكن صلته بالأرض والمياه لم تنقطع فظلت عميقة الجذور..وكما تكبر الأشجار وتقف بشموخ متربعة على الأرض بتحد للريح العاصفة حينا ولهيب الشمس الحارقة صيفا حينا أخر .. تحدى فيصل العارف ، الصخب والأبنية الشاهقــة والقاعات المغلقة ، بعد أن حدد هدفه بالتفوق منذ أن وطأت أقدامه الجامعة .. دارت الأرض دورتها حينا بعد أخر ، مكابدا خلالها الكثير من الآلام والأحزان لكنه ثابر بجد لتحقيق حلم طالما تـمناه وبات يراه قريبا. وظل عالمه خاصا به وحده ، ولم يحلُُ له الدخول إلى عوالم الكثيرين من حوله فتوزع اهتمامه بين الدراسة ومطالعة الأدب، لاسيما الشعر الذي شغف به قلبه الصغير ومزاجه الشفاف،كلما سنحت له الفرصة بذلك أو كلما شعر أن صدره بدأ بضيق به من أحد المحيطين به أو كلما شعر بالحنين للماضي ، فقد وجد في الشعر ملاذا إنسانيا في لحظة صدق مع الذات ،لم يجد كمثله مجالا آخر.. ومع ذلك فانه لم ينقطع عن عالمه الأول، الريف وطبيعته الساحرة أثناء أجازاته الأسبوعي، لا لظرف قاهر، وحين ينتهي هناك يفترش الأرض المخضرة ويلتحف السماء التي وجد في زرقتها منتهى الجمـال الذي لا يدانيه جمال أخر، في إي من الجدران المطلية بالألوان الصناعية، بكل مسمياتها المعروفة لدى أهل المدن.. أنهى دراسته الجامعية، وتنقل بين عـدة وظائف حقـوقية بينها المحاماة قبل أن يصبح قاضيا كبير الشهرة مع الزمن، لما شاع عنه من نزاهة وحكمة متأنية في اتخاذ القرارات.. ومع ذلك، ظل مبتعدا عن عوالم الغير، ليشغل نفسه، بعد أن يفرغ من عمله الرسمي، بالمطالعة بكل أشكالها المهنية والأدبية بعيدا عن الآخرين.. سأله ذات مرة احد زملائه المقربين عن سر ابتعاده عن الناس في الكثير من الأوقات. فأجابه بصراحة: بان اشد ما يخشاه في حياته، هـو مخالطة الكذابـين والمخادعين، الذين تتزايد أعدادهم مع الزمن، ولذا فهو يفضل صحبة الكتاب بديلا عن الاختلاط الذي يقل فائدة عنه بكثير .حاوره زميله بشيء من الصراحة، محاولا إقناعه بسوداوّية نظرته إلى الناس، معللا نظرته تلك بأنها ربما تنطلق من طبيعة عمله لزمن طويل في مضمار القضاء، الذي يقتضي التعامل بتحفظ مع عدد من المجرمين الذين يتقنون ولاشك، الكذب والخداع، أملا بالنجاة من العقاب. ومع تسليمه بصحة تلك الافتراضات في أحيان معينة، إلا انه رآها تمثـل جانبا مـن الحقيقة وليست كل الحقيقة. فلديه من الأسباب الأخرى ما يجعله راسخ القناعة بتلك الحقيقة، وما ارتفاع الجريمة، في اعتقاده إلا بسبب اختلال القيم الاجتماعية، التي تبدأ عادة بالكذب لتنتهي بجرائم أخرى اكبر منها فيما بعد، ذلك هو منطق الأشياء عنده دائما.. في يوم ربيعي جميل، شعر فيه فيصل العارف للمرة الأولى عبر سنين طويلة وبخيلة، بدفء دافق تسلل إلى أعماق روحه الحالمة، بدا له أكثر صفاء من زرقة السماء ذاتها في يوم مشمس، وقد شعـر بالعشق مجددا.. فلم يدر في خلده يوما من أن فتاة صغيرة كمثل ( تيمار ) تلك الفتاة الجذابة، الهادئة الطبع وهي تجلس أمامه كقطة وديعة طيبة ، في قاعـة المحكمة لتـدون وقائع جلساتها أولا بأول ، دون أن تـنبس ببنت شفة .ولعلها من بين أناس قليلين، كانت قد شمخت صورتها الأصيلة في ذاكرته محاطة باحترامه الكبـير لها مـن شـدة احترامها لنفسها ودقة عملها .. وهو لم يكن يتوقع أبدا ، أنها ستلعب دورا مهما في حياته ذات يوم ، إلا حين تفاجأ، وهي تدس له ورقة صغيرة بين أوراق بريده الخاص ،كتبت فيها عبارات متناهية الدقة ورقة المشاعر ، وهي تقول : " لقد فاض صبري وعدت لا أطيق حبا تمكن مني وتسرب إلى كياني كله .. وأنت كما أنت، لم تزل تتجاهل وجودي تماما ، كأنك تعيش بلا قلب .. ومع ذلك فاني مازلت انتظر لحظة أمل حتى أخر يـوم من عـمري مـن أجلك ، أيها المحترم الكبير " .. قرأ تلك الورقة بصمت وقلق فارتعشت فرائصه، بعد أن أرعبته المفاجأة، تأملها بعمق وقلّب كل احتمالاتها، فتملكته حاله من الذعر والاضطراب والحيرة في آن واحد.. حدث ذلك في نهايـة الـدوام الرسمي من اليوم الربيعي الجميل. تكتم على الأمر بسرية تامة، محاولا تجاهل الموضوع، في بادىء الأمر . لكن تلك الورقة التي شغلته كثيرا، أوقدت نارا امتد لهـيـبها إلى كـل أجزائه وتبـاعضه وانتهى به الأمر بعـد عـناء طويل إلى قبـول المواجهة لذلك السيل الذي اجتاح كيانه، دون مقدمات.. في اليوم التالي تسللت تيمار إلى غرفته متذرعة بتقديم البريد اليومي المعتاد، عندها شعر هو بشيء من الخوف الذي لم يعتد عليه من قبل، كما شعر بان قلبه الصغير قــد زحف إلى لسانه ، ومع انه تظاهر بالهدوء ، إلا انه كان في غاية القلق ،حين طلب منها أن تجلس أمامه ، بعد أن اعتادت في المرات السابقة أن تبقى واقفة حتى يفرغ من قراءة البريد..أخرج تلك الورقة بهدوء ثم بادرها بالسؤال قائلا: ــ تيمار هذه الورقة لك ؟ أجابت بكل ثقة (نعم ).. ــ وهل كنت تحملين في قلبك كل هذا الحب، منذ زمن طويل ؟! أجابت بنعم أيضا ، ولكن بشيء من الحياء الظاهر هذه المرة، سألها ثانية : ــ ولكن منذ متى حصل كل هذا ، وأنا لم اشعر به من قبل ؟ أجابت : *أستاذ منذ مدة طويلة.. ربما منذ الأيام الأولى لمعرفتي بك وعملي معك..تحشرج صوتها وتلعثمت بعض الشيء من شدة الحياء الـذي بدا واضحا على ملامح وجهـها الجميل ثم سيطر الصمت على المكان بعد أن شعر فيصل العارف بشيء من الكبرياء والخوف من المجهول ، وكأن كـل شــيء قد توقف في تلك اللحظات .. لكنه أراد أن يبدد ذلك الصمت، فبادر إلى مبادلتها شيئا من الحب الخجول،للمرة الأولى ، فقال مجددا : ــ ألم تكوني تخشين رفضي، أو حتى أساتي لك، لأقدر الله؟!فردت بلغة واثقة : * كنت واثقة من إنسانيتك ورقتك،المتأتية من ثقافتك الراقية المعروفة هنا للجميع، وهذا ما جعلني متيقنة، من انك سوف تحترم مشاعري على الأقل، إن لم تبادلني ذات المشاعـر .. في تلك اللحظات شعـر بان تلك الفتاة الساحرة كانت تسرقه من نفسه بحق وتعود به إلى تلك الحقول الريفية التي طالما تغنى بها كثيرا مع نفسه، في تلك الأثناء شعر بلزوم التخلي عن قراره السابق بالعزوف عن الزواج، بعد وفاة زوجته التي أحبها بإخلاص على اثر حادث مؤسف، بعد أن وجد نفسه مرة أخرى، أمام إنسانة رائعة أخرى، رغم فارق السن بينهما . عند ذاك ،أفضى لها بحقيقة مشاعره ، الــتي أضحت تتفجر في تلك اللحظات الصعبة، نزيفا من الحب .. منذ ذلك اليوم أصبحت تيمار ، حلما شفافا يلامس أعماقه ، بعد أن تركت لديه كل هذه الانطباعات الجميلة والصافية من الحب ،كما وجد في جرأتها وصفائها ما شجعه على الاقتراب منها أكثر فأكثر مع الأيام ، فأمسى مؤمنا ، أكثر من أي وقت مضى ، بأن الحب الصادق هو سمو للروح وصقل للذات الإنسانية ، وهو قادر على تفجير طاقات كبيرة كامنة فـي الإنسان . عندها عاش عشقا متجددا مع كل الق في عينيها المتفجرة حبا وشبابا ، وكما يجيء الربيع بالأزهار ،كانت أيامه التالية تتجذر عشقا صار يتنفسه عند كل لقاء بها ، حتى بدت وكأنها نقشا زخرفيا جميلا يزين أيامه ويعطر أنفاسه أريجا أينما حل .. وكم كان سعيدا حين كتبت له ذات مرة وهي تقول: " انك يا حبيبي، أيها المتألق في قلبي، لقد قلبت موازين حياتي كلها مرة واحدة، وعدت لا انظر إلى الأشياء إلا من خلالك أنت وحدك ودون سواك".. حين تسلم تلك الورقة ليقرأها في أول فرصة سنحـت له عند أخر يوم من أيام الأسبوع،كانت هي قد غادرت المكان بسرعة، في يوم صيفي ألهب قلبه وجسده بالحرارة الشديدة .. وعندما هم بـالمغادرة، طمعـا في رؤيـتها ثانية، حدث لـه ما يشبه الصدمة المروعة الـتي لم يكن يتوقعها أبدا .. حين رآها مع رجل آخر.. وقد التحمت اكفوهما معا. كانا غارقان في لحظة حب لا تحتاج إلى اي تفسير أو تأويل آخر !! لم يصدق ما رآه من هول الصدمة التي مني بها تلك اللحظة وشعر أن قدميه أصبحت من الصغر بحيث لم تعد قادرا على تحمله تلك اللحظة، وضاقت به صدره حين اكتشف انه صار ضحية خدعـة وهزيمــة فـي معركة لم يخترها هو، ولم يكن مستعدا لها.. تفجرت في نفسه، قرويته المتجذرة مرة أخرى وأنسته كل شيء .. حتى أصبح جل همه، فــي تلك اللحـظات العصيـبة ، أن يتأكد من إن الذي يراه كان حقيقة وليس وهما .. وبعد طول صبر تأكد له ،أنها تيمار بلحمها وشحمها وليست امرأة أخرى ، بطلة هذا المشهد الهزيل !! عند ذاك شعر بالإحب! اط الشديد الوطأة .. وتسأل فيما يتوجب عليه من تصرف لا يفقده الحكمة التي اعتادها طوال حياته خوفا أن ينقاد إلى تصرف قد يندم عليه العمر كـلـه .. دارت في رأسه أسئلة كثيرة وكبيرة لكنه شعر بأن الإجابة عليها في مثل هذا الوقت قـد تقـوده إلى قرار متسرع ، فابتعد عن المكان ليمنح نفسه الفرصة للتفكير بشكل مترو وعميق .. وطوال يومين من التشكك والتساؤل والتذكر وربط المواقف السابقة التي حدثت هنا وهناك قلب فيها فيصل العارف كل الصفحــات واستحضر مئات المشكلات التي واجهته في العمل والحياة مهتديا إلى عدد من الحلول .. ولأنه قاض عــادل أشتهر بالحكمة، كان عليه أن يتخذ قرارا حكيما ومنصفا، من بين ثلاث خيارات : فهو إما أن يثأر لكرامته كإنسان مخدوع من دون إي ذنب، من امرأة لا هم لها على ما يبدو سوى التلاعب بمشاعر الغير أو أن يتركها بسلام لأنها ليست كفأ له في منازلة خاسرة أصلا ..أو أن يشاطرها اللعبة القذرة، فيأكل من جرفها كما أكلت هي من جرفه الريفي النظيف..إي الحلول يختار كي ينهي مرارته، تساءل مع نفسه بهدوء قبل أن يتخذ قراره الأخير .. |
| الخيار المنصف..... الدكتور ستار نوري العبودي |