كاظم عبد الحسين

. الهواء المثقل  ببخار البحر الخانق ورذاذ المطر الناعم  ورائحة السمك الميت تخنق الانفاس.
يسمع أهل هذه المدينه الرابضه على فم وحش الحرب دوي القصف المدفعي يوميا  وربما تتساقط القنابل
في بيوتهم,  اللون الكاكي يجعل من شوارعها كأنها وحدات عسكريه اما اهل المدينه المنكوبه فلم يعد منظر
الوجوه الجديده يستفزهم , منهم من يحمل اكياس التسوق يسيرون ببطء لايكترثون كثيرا بما حولهم . قطط
وكلاب جائعه عند كل ركن, اطفال حفاة دون رقيب, نساء حاسرات بوجوه مليئه بمكياج ردئ  تحرشات
الجنود بهن تجعل المنظر اكثر قبحا . رجال الانضباط يرصدون الوجوه بحثا عن أرتباك.

أطفأت العجله العسكريه الكبيره أنوارها بعد ان غادرت المدينه وراحت تغوص في عمق الجبهه الملتهبه ,  
 تمتطي طريقا اسفلتيا مليئا بحفر قنابل المدفعيه الايرانيه, شاقا ارضا ملحيه جرداء لاحدود لها.  (طريق
كم الموت) كما يسميه الجنود والذي  يقارب طوله المئة كيلومتر يبدا من البصره و ينتهي حيث ميناءومدينة
الفاو المهمه, ينتهي الشارع الأسفلتي بعد 50من بدايته من مدينة البصره  ليتحول الى طرق ترابيه
عسكريه كثيره تتفرق نحو المعسكرات المنتشره . تتقابل على جهتيه مئات القطعات العسكريه تبدأ
بالمدفعيه الثقيله وتنتهي بجنود  (الحجابات)الذين يبعدون بضع امتار عن (العدو) القوات الايرانيه. رائحة
البارود  وهلع الوجوه واصوات الانفجارات تضفي على الطريق اجواء موت قادم  
احتل المقعدالامامي في مقصورة السائق ضابط ضئيل الجسم برتبة ملازم فيما جلس في مؤخرتها
المكشوفه سبعة جنود يبدو عليهم الخوف والتعب.
الغيوم السوداء بدات تتجمع لتخنق ضوء القمر الخا فت فيبدوالليل اكثرعتمه وكآبه .
جلس الجنود السبعه فوق مقاعد حديده متقابله ,وعورة الطريق تجعل اجسادهم تتقافز فوق المقاعد
ماان انطلقت العجله حتى بدأ رذاذ المطر البارد يرشق وجوه الجنودالمتعبه من السفر فيما راح الضابط
الصغير الجالس في المقدمه يشعل سيجارته . كانت نظراتهم تتقاطع كلما دوى صوت انفجار او نطلاق
قذيفه كانهم يرون الحرب لاول مره . بدأ بعضهم يردد ادعيه وأذكار ولعنات. وكانت السياره العسكريه
تسرع كلما تتقدم اكثر وأصوات الانفجارات تتعا لى والمطر يشتد والظلام يلف كل شيء.
أخذ أحدهم يغطي صندوق المؤونات (الارزاق) الممتلئ بالخبز(الصمون) العسكري . فيما دس كاظم عبد
الحسين الجندي ذو الثلاثين عاماالجالس في الزاويه  بندقيته تحت معطفه الكبير وهمهم بكلمات غاضبه ,
عيناه تذهبان بعيدا لايبالي بالمطر والقصف , تحاكيان طفله الصغيرالذي سماه علي والذي ولد قبل ان تنتهي
اجازته بيومين . كان عليه ان يتأخر على موعد الاجازة يومين اخرين فزوجته ولدت في المستشفى ومرت
عليها ساعات عصيبه , كانت بحاجه اليه. (انهم يحرموننا حتى من الاستمتاع بطفولة ابناءنا بعد ان سلبوا
طفولتنا, اللعنه عليهم وعلى حروبهم... متى ينتهي هذا الشقاء , متى نموت او يخطئنا القناص  فنعود)
يحدث نفسه.... يفيق على صوت سقوط قذيفه هاون قريبه , تهبط نظراته على وجوه رفاقه الجنود التي
استسلمت لليأ س والموت,  كانت اصوات الانفجارات وشضاياها المتقاطعه فوق رؤوسهم  تجعلهم يفقدون
الاهتمام بأي شئ , تغرق نظراتهم في وهدة الموت القادم  تحملهم اليها رحلة عذاب جديده  وحين تخرق
جسد أحدهم رصاصه او شظيه  ليس هناك من يشعر بموتهم أو ينتظر فراقهم , موت كموت الحشرات.
التدخين كان الرغبه الوحيده التي من الممكن تحقيقها في هذه اللحظات لولا المطر ومراصد الأيرانيين.
أخذ المطر يهطل بشده ,المعاطف أصبح عبئا عليهم بعد ان أمتلأت بمياه المطر كما هي أحذيتهم العسكريه
الكبيره.
قبل ان تصل العجله العسكريه الى مقر اللواء ومدخله الذي اصبح بركه من الوحل  الذي يبعد قرابة العشر
كيلومترات عن الخطوط الارض الحرام توهج الفضاء بومضات مخيفه تبعهتا أصوات أنطلاق قذائف
المدفعيه باتجاه الجانب الايراني شقت بصوتها المدوي سواد لليل الحالك . اسرع السائق باقصى ما
يستطيع لكي يتفادى الرد الايراني(القصف المقابل) الذي عادة ما يأتي بعيد القصف العراقي بدقائق قليله.
كادت السياره تنقلب لولا مهارة السائق الذي اعتاد العمل في الخطوط الاماميه ليلا دون اضويه .
ترجل الضابط مهرولا الى ملجأه بينما نزل الجنود من اعلى السياره بحركات بطيئه بعدما اثقلهم المطر
والاسلحه واشياء اخرى يحملونها. كانهم لا يشعرون بدائرة الفناء التي دخلوها لتوهم.
الساعه تقترب من الثانيه والنصف بعد منتصف الليل ,المطر عنيف لدرجة لايمكن ان تسمع الا رشقات
المدفعيه القريبه.
قطع كاظم ماتبقى من الليل غائبا عن هول الحرب يستعيد لقاءه بوليده الصغير علي وكيف كان يداعبه
ويقبله ,ثم يفيق, تصدمه الحقيقه, فيرى نفسه مستلقيا تحت سقف  ملجئا يعلوه بنصف متر و ظلام واسع
بوسع الهم الذي يساوره واصوات الانفجارات والقنص التي اصبحت جزءا من كيانه, سيقضي  في هذا
المكان شهرا كاملا على الأقل.
لكن أكثر مايؤرقه هو كيف سيلتقي بالضابط (مقدم اللواء)  في الصباح  فهذا الرجل فظ ونذل ... يفكر....
(ماذا عساه ان يفعل لي؟ كم ستكون العقوبه.. لايهم  الشئ المؤلم  هو وقوفي امامه بهيئة المذنب  رغم ان
عودتي الى الحرب هو الذنب .. ما أتعس هذا العالم  الحقائق  مقلوبه, سأقول الحقيقه  المهم ان لايطول
وقوفي امامه)  راودته أفكارا وحلولا كثيره ربما يمكن تحقيقها لو لا انه في جبهة حرب لاترحم.  كان
يتمنى ان يهرب اللحظه  لولا وجود السيطرات وفرق الاعدامات ولكن اين سيذهب لو تمكن من الفلات
منهم الى اهله ؟ أي عالم سيستوعبه ماذا عن الناس هناك , الجيران, الشرطه, المختار؟ موت آخر بطريقه
مختلفه!
في الصباح أفاق مرعوبا على ركله من رجل الانضباط يدعوه الساعه للقاء مقدم اللواء صاح جندي
الانضباط (هيا أنهض لماذا تغيبون؟)
أرتدى (بسطاله) العسكري المثقل بالماء وقف ووضع الخوذه على راسه وانطلق يمشي خلف الجندي في
الطريق  تغوص قدماه في الوحل الثقيل يحاول رفعهما يبنما رجل الانضباط يستعجله ,  أقتاده الى نائب
الضابط الذي سياخذه الى مقدم اللواء.
وقف كئيبا امام نائب الضابط الذي أخذ يوبخه لغيابه على الاجازه الدوريه , كان الكلام معه لاينفع ولايضر
فلزم السكوت.  كان هناك جنود أخرين ينتظرون تقديمهم الى الضابط معه اصطف الجميع كان عددهم
خمسه يبدون منهكين ومن مناطق فقيره.
بداأ مقدم اللواء يشتم الجنود ويهددهم بالموت وان الحرب مقدسه وعليهم التواجد والقتال دفاعا عن
الوطن.....ثم أخذ يحاسب الجندي الاول يساله عن سببب غيابه فيقاطعه (كلب حقير أنتم مجرمون...)  ثم
التفت الى نائب الضابط الواقف في الجهه المقابله للجنود ويقف جندي الانضباط  على مقربه منه يحمل
بندقيه حديثه على كتفه ( عشرة ايام قطع راتب ) وهو يشير الى  عقوبة الجندي الاول ( ولكن سيدي انا
غبت يوم واحد فقط ) قاطعه الضابط (اخرس , كلب) .

كان ترتيب كاظم هو الأخير صرخ بوحهه مقدم اللواء (لماذا غبت أظنك ستقول ان اباك كان مريضا او ان
امك في المستشفى؟! مجرم خائن )
كانت زوجتي حامل وولدت في اخر يوم من اجازتي وقد كانت....) قاطعه الضابط  (خائن , دجال , كلكم
كاذبون ,نفس الاعذار)  أخذ يسب  حتى اتى على زوجته وابنه.
أحس كاظم بالضئاله هجوم الضابط عليه  يزيده غضبا والما.  بدأ راس كاظم يتحرك بطريقه غريبه يلتفت
غير عابئ بالضابط وكلماته . وجهه يحمر ويتعرق , قدماه ترتجفان خوفا وبردا , يداه ترتعشان شفتاه تكافح
من أجل الكلام هدا  بعد أن أستقرت عيناه على بندقبة جندي الانضباط  الواقف بمحاذاته  لم يزل الضابط
يهدد ويتوعد الا أن حركة كاظم السريعه وقفزته نحو بندقية جندي الانضباط اجبرت الضابط على السكون
والذهول ثم  الصراخ والتهديد بالاعدام حاول الجندي منع كاظم بكل قواه غير ان كاظم احكم يداه بقوه
هستيريه على البندقيه  ما ان أنتزعها من الجندي حتى بدأ باصراخ عال ( ساريك من يعدم من) فتح صمام
الامان بحركه سريعه واطلق الرصاص على صدر الضابط , ظل يصرخ دون شعور والجميع يهرب من
أمامه انهى كل مافي البندقيه من رصاص في جسد مقدم اللواء وترك واحده أطلقها على رأسه.
قصة قصيرة للكاتب عبد الرحمن السعيدي