
| الــوأد .. __________________ لم يشفق عليه أحدا من الذين التقاؤهم عبر محنته، سوى أولئك الذين قاسموه ذات المصير، وهو يجتاز سلسلة طويلة من المرارات الصاعـقة منذ اليوم الأول لمحنته تلك، وعلى مدى شهور، حتى إحباط الساعات الأخيرة وهو ينتظر تلك اللحظة المفزعة التي ستنهي حياته مرة واحدة وإلى الأبد.. ذاق خلالها صنوف المرض والموت بأشكال شتى لشدة ما ألم به في رحلة عـذاب متواصل أبعدته عن كل شيء و قادته إلى مصير مظلم دون خطيئة.. مهدي الأخرس، أو هكذا كان يُكنيه زملاء طفولته في مدينته الصغيرة، لقلة كلامه مع الآخرين، حتى غدا صمته سمة من سماته الشخصية، حالما بلحظة أمل، يصبح فيها أبا للمرة الأولى في حياته وكان مناه أن يكون وليده ذكرا، وأن تحقق له ذلك، فقد اتفق مع زوجته سارة أن يسميه ( أبا ذر ) لشدة ما أعجب بتلك الشخصية التاريخية الخالدة، وربما وجد في هذا الأمل الشيء الوحيد الذي ربما يعوضه بؤسه الذي عانى منه طوال حياته منذ لحظة ولادته يتيما الأب حتى تلك اللحظة الحالمة، لكنه شعر بأن الأحلام، حتى مجرد الأحلام، بدت ليست حقا لأمثاله ،حين وجد نفسه وأهله محاصرين من قبل قوات الأمن التي أفزعتهم عند هبوط الظلام . فشعر بالخوف على مصير زوجته ووليده المنتظر، فاستسلم طائعا ودون أية مقاومة، وهو وأن بدا مكابرا أمام الجميع أول الأمر، لكن قلبه الصغير تمزق ألما وهو يسمع صراخ وعويل أمه وزوجته الحامل في أيامها الأخيرة. طوال الطريق إلى دائرة الأمن التي اقتيد لها، كان واثقا من أن هنالك خطأ ما قد حصل، بعد أن راجع نفسه مرات، فيما لو كان قد ارتكب أي خطيئة، ولكن الشيء الذي تفاجأ به عند وصوله إلى دائرة الأمن، هو أمر الضابط الخافر، بوضعه في الحجز الانفرادي، بعد أن عصبت عيناه وقيدت يداه إلى الخلف واقتيد كما تقتاد الشّاة ُ؟!. وحين سأل عن السبب ، جاءت الإجابة ، المزيد من الإهانة والضرب أو الركل ،حتى بات على قناعة أن الصمت والصبر ربما يكون أكثر جدوى حتى يحين وقت التحقيق أو يقابل مسؤولا للاستفسار عن سر اعتقاله . إلا أن شيئا من هذا لم يحصل البتة، فقد ظل أياما عدة دون سؤال من احد، وحين جرى استدعاءه من قبل احد المسؤولين، الذي يشير ما حوله إلى تواضع رتبته بين اقرأنه في تلك الدائرة، كان عليه أن يجيب فقط عن تلك الأسئلة المتعلقة باسمه وعنوانه وعمله وإلى ما شابه ذلك، ولم يسمح له بطرح الأسئلة بالمرة، ثم أعيد ثانية إلى ذات الزنزانة، التي لم ير من خلالها غير حارس دائم ، ظهر أنه لا يتقن سوى لغة الشتم وإصدار الأوامر له ولأمثاله من السجناء بالصمت أو التهديد والوعيد . كانت تقدم له وجبتين من الطعام البائس الذي لا يعدو أن يكون أكثر من حساء بارد أو مرق مطهي بطريقة تشمئز لها النفس، مع رغيفين صغيرين أو ثلاث من الخبز اليابس في أحسن الأحوال.. و مرت الأيام والأسابيع ثقيلة دون أي عقـوبةسؤال، بل ودون أن يقابل أي شخص وان كان سجين مثله ، ولهذا شعر بأن أقسى بحـق الإنسان هـي السجـــن الانفرادي .. ومع طول مدة الاحتجاز، بات قلقه يتزايد، بعد أن قطعت به السبل ، فظل دائم التساؤل بقلق عن المصير الذي سيحل بأهله؟ ومن سيتدبر أمرهم مــــن بعده ؟ أما السؤال والقلق الأكبر فهو عن مصير زوجته ووليده المنتظر ؟ . ومع بزوغ الفجر في أحد الصباحات الباردة، تم استدعائه على عجل واقتيد إلى عربة انطلقت به مسافة طويلة، لم يكن يعرف وجهتها في تلك الآونة حتى وصل ، فعلم أنها مديرية الأمن العامة.. هناك تم إيداعه إلى زنزانة شبه مظلمة، تسلل لها ضوء باهت من فتحة صغيرة أعلى أحدى الجدران، لكنه وجد فيها شخصين آخرين إلى جانبه، ولعل ذلك أشعره بشيء من الاطمئنان النسبي.. رحب به السجينان، ثم قدما له الماء وشيئا من الخبز اليابس مع أسف شديد . وحين أكد لهم انعدام شهيته للأكل حاولا شد أزره، ثم بدأ كل منهما بفيض أسئلة وقصص وحشية صادفتهما خلال محنتهم في ذلك السجن اللعين، كشفت له عن مستوى القلق الشديد الذي كانا عليه.. و جن الليل جنونه، فشعر بأن تلك الليـلة ربما كانت أسوء ليلــــة عاشها على مدى الليالي السابقة، لشدة ما أنتابه فيهـا مـن هواجس وظنون تكللت بكوابيس طاردته طوال ساعات نومه القليلة. في اليوم التالي وعند الساعات الأولى للدوام الرسمي، جاء من ينادي باسمه طالبا منه الحضور معه دون تأخير، جرى أعصاب عينيه مجددا، واقتيد في ممر طويل أنتهي به إلى أحدى الغرف التي اصطلحوا على تسميتها بغرفة التحقيق. طلب منه أن يرفع عصابة عينيه، عندها تأكد له أنه في غرفة للتعذيب استطاع أن يميزها بسهولة، لما حــوتـه من وسائل التعذيب المعروفة في زواياها المختلفة، ولم يكن ساعتها يعرف أن جيء به للتحقيق أم للتعذيب أم للاثنين معا ؟! .. لم تكن له سوابق من قبل، بل ولم يستدع طوال حياته للشهادة في أي محكمة أو حتى مركز للشرطة، فكيف به الآن وهو يواجه بكل وسائل القمع مرة واحدة وبهذه الصورة ؟! تفحص وجه الشخص الموجود في الغرفة، وقد جلس إلى طاولة وأمامه رزمة أوراق، فعلم أنه المحقق الذي بدا له بوجه يوحي بالكآبة وينذر بالشرور، كأنه خلق أصلا لمثل هذه المهمة. نظر إليه ذلك المحــــــــقق بشزر ثم خاطبه بصوت آمر أجش طالبا منه الجلوس في الكرسي الوحيد الموجود إمامه في الغرفة فجلس مرعوبا، وبعد لحظات من الصمت والخوف، وجه له المحقق أسئلــة مبهـمة لا يعرف إجابتها بالمرة وهو وأن حاول الدفاع عن نفسه بإنكار التهم الموجه له من دون أساس, اشتد عليه الضرب والإهانة والشتم.. حينها تذكر انه مرة وقبل أيام قليلة من اعتقاله، أنه تشاجر مع موظف مسؤول في احدي الدوائر الحكومية ، اغتصب له حقا بأسلوب ظالم ووقح، لم تجد معه كل التوسلات لاسترداد حقه المغتصب، مما دفعه للمجاهرة والتنديد بالظلم والظالمين . هذا هو العمل الوحيد الذي قام به في الدفاع عن حقه، وذلك ما اعترف به للمحقق، أن كان ذلك جريمة..؟ ، لكن المحقق عد هذا الاعتراف غير كاف ، ولابد له من الإقرار بجريمته كاملــة ، و إلا فأنه..... مشيرا إلى حلقة كبيرة متدلية من سقف الغرفة.. في تلك الآونة سمع صراخا ونداءات استغاثة بصوت امرأة، تتوجع من ألم ! التعذيب من مكان قريب من المكان الذي تواجد فيه تلك اللحظة، عند ذاك أشار عليه المحقق بأن حاله سوف لن يكون أفضل مما سمع.. وحيث لم يجد ما يقوله.. لم يتأخر المحقق في الضغط على زر قريب ليجيء بشخص دخل الغرفة متأهبا للقيام بعمل التعذيب بشهية مفتوحة، وكأنه عدو لدود جاء ليقتص ثأرا منه بأقسى الوحشية.. تكررت العملية مرات، كان يترك خلالها مهدي الأخرس مغميا عليه، وحين يسترد شيئا من وعيه يتكرر ضربه المــبرح حتى سأم الحال، فاستسلم للمحقق الذي بدأ يسود أوراقا لا يدرك سرها سواه، وما كان على مهدي إلا أن يختمها بأمضاءة حمراء أمام قاضي الأمن على عجل، دون أن يطلع عما كتب فيها، كي ينهي محطة من محطات تعذيبه التي بدأت بالفلقة والكيبل والهاتف وانتهت بـ .....، لينتقل بعدها إلى زنزانة أخرى على مدى شهور من العذاب المتواصل، حتى صدر الحكم عليه بالموت شنقا، بعد أن أدين من قبل المحكمة الخاصة ( بجريمة التهجم )، ولم يكن بوسعه بالطبع الدفاع عن نفسه بعد أن عينت له تلك المحكمة محام نصحه بعدم الحديث أو مقـاطعة أيا مـــــــــن (( أعضاء المحكمة الموقرة)) ؟! .. عند ذاك علم بمصيره هذا وهو يواجه محكمة لم تبرئ ساحة مت! هم قبله .. نقل إلى زنزانة الموت، محطة عذاباته الأخيرة، قبل أن يؤول مصيره إلى الموت. . في تلك الزنزانة التي كان عليه أن يقبع فيها يوما أو بعض يوم، تفاءل مستغربا بمقابلة أخر السجانين المكنى بأبي عبد الله، بعد لقاءين سريعين، فقد همس ذلك السجان، الذي أوحى شكله بالطيبة،عند اللقاء الأول في آذان مهدي، قائلا: ــ الفرج قريب أن شاء الله !! وكررها عند اللقاء الثاني دون أن يضيف عليها شيئا جديدا !! .. والحق أن مهدي لم يرد عليه في كلا المرتين، لشدة ما سيطر عليه من يأس وقنوط ، فكان قلقا مشتت الفكر هنا وهنـــــــاك، وبات مصيره مهددا بين لحظة وأخرى كلما سمع وقع أقدم تتقدم نحوه،أو صرير باب تفتح، ومع ذلك لم يفقد الأمل الوحيد الذي ظل يراوده دوما وهو رؤية ابنه ولو في أخر لحظة قبل أن يفارق فيها الحياة..؟! مضى ليلته الأخيرة كوابيس وأحلاما نازعها هذيان متصل، لم يقوى على مغالبته.. ومع تأخر موعد الموت المتوقع عند الفجر، سمع أصوات هدير طائرات مغيرة و إطلاق نار متفرقة هنا وهناك و كأن شيئا ما قد حدث، عندها بدأت نسمة أمل تجد لها منفذا في نفسه المشبعة رعبا وحزنا. . ولكن ( يا لله.. يا لله، يا رب ماذا يحدث، ما هذه الأصوات، ماذا.... )، صرخ بأعلى صوته ؟! ولم يجبه أحد؟!! .. لم يكن مهدي الأخرس يعلم أن حربا جديدة كانت قد بدأت منذ عدة أيام ، على الرغم من كثرة الانفجارات المسموعة من حوله !! ظنها أول الأمر نوعا من الكوابيس المتواصلة التي طاردته ليل نهار عندما اقتراب موعد تنفيذ الحكم الصادر ضده، حتى جاء أبو عبد الله يفتح باب زنزانته ومبشرا إياه بالإفراج عنه بعد سقوط نظام حكم عليه بالموت....!!؟؟ حلق طائرا بين الأرض والسماء، ولم يصدق بعد ما حصل له، حتى وهو يغادر قبرا مفتوحا اعد له دون حساب !! لكن العجلة التي دارت به طويلا راحت تتقهقر ثانية من حيث بدأت إلى حتف جديد وهو يدخل داره الخاوية إلا من أثاث سجين وريحا طاردت حجرا يشبه أثرا قديما وعجوز جف دمع عينيها وهي تردد ترنيمة تفضح حزنا متحجرا بين ضلوعها الواهية، ولم يعد في وسعها أن تتذوق طعما للفرح بعد أن غادر بيتها جميع أحبتها..قائلة: (( عفتني يا الولد يا أبني وحيده غير حزني ما بقه يمه التريده الدهر يا بني زاد همي هموم الدمع لو جف البعيني الكلب يمه بعد ما خلص أسموم..)) رددت ترنيمتها تلك على مدار الساعة ،غير أبهة بأحد من حولها .. |
| قصة بقلم الدكتور ستار نوري العبودي |
